ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
يصدق عليهم وعلينا..!!
20/02/2018 [ 10:38 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: حسن خضر
فلسطين برس:نشرت جريدة هآرتس الإسرائيلية يوم أمس (الاثنين) مقابلة مع توم سيغيف، ومعلومات مُفصّلة عن كتابه الجديد، بالعبرية، المعنون: "ديفيد بن غوريون: دولة مهما كان الثمن". بن غوريون (1886-1973) هو مؤسس الدولة الإسرائيلية، وصاحب الخيارات الاستراتيجية التي تركت أثراً دائماً على بنية الدولة والمجتمع الإسرائيليين من ناحية، وعلى الصراع الفلسطيني والعربي ـ الإسرائيلي من ناحية ثانية. وكما يحدث مع الآباء المؤسسين، في كل زمان ومكان، أُحيطت سيرة المذكور بهالة من القداسة، ونُسجت حوله، في الروايات الرسمية، الأساطير. ولكن سيغيف، الذي برهن على جدارته كمؤرخ في أعمال سابقة من نوع "المليون السابع" و"الإسرائيليون الأوائل"، يفتح نوافذ إضافية، وغير متوقّعة، لاستراق النظر إلى سيرة ومسيرة "كبير الآباء المؤسسين". ومنها، مثلاً، أن بن غوريون، الذي لم يتناول أحد، من قبل، سيرته العاطفية، وبدا خارج حقل السياسة شخصية غامضة، عاش علاقات غرامية مع أربع نساء، بعد زواجه، وأن إحداهن، وهي كاتبة معروفة، شكت من سلوك رجل لم ير فيها أكثر من جسد، ولم يهتم حتى بمعرفة تفاصيل حياتها الشخصية. ومنها، أيضاً، أن الشخص الذي امتاز، في الظاهر، بين أقرانه بقوّة الشكيمة، والحكمة السياسية، كان نهباً لأنواع مختلفة من القلق، وعانى أزمات وجودية غير مفهومة، ألزمته الفراش أحياناً، وكثيراً ما طرح على نفسه أسئلة، أو خرج باستنتاجات عن نفسه، وعن العالم، لا تنسجم، بالضرورة، مع المعروف عنه. وفي هذا ما أوصل سيغيف إلى خلاصة من نوع: أن بن غوريون عانى من فقدان الصلة بالواقع من وقت إلى آخر. وقد تجلّت حالات كهذه في شطحات من نوع التفكير في تهويد ما تبقى من الفلسطينيين، واقتراح إعلان الحرب على بريطانيا وألمانيا. وحتى في الثانية والثمانين من العمر لم يتردد في القول إنه كان صهيونياً منذ سن الثالثة. هذا على صعيد الأزمة الوجودية، والغرام، والشطحات، وفي السياسة، كما استخلص سيغيف، لم يتردد بن غوريون، ولم يستنكف عن المساومة والمناورة. ففي العام 1947 لم يكن واثقاً من قدرة الدولة في حال إعلانها على البقاء، لذا حاول الاتفاق مع البريطانيين، قبل قرار التقسيم بأشهر قليلة، على تأجيل انتهاء الانتداب لمدة خمس أو عشر سنوات، ليتمكن من جلب مزيد من المهاجرين. والمفارقة أن قيادة الييشوف اليهودي في فلسطين، وكان على رأسها، طالبت البريطانيين علانية بالرحيل، وبعض الجماعات الصهيونية المسلحة شنت عمليات ضدهم، ولكن بن غوريون، كان يدعوهم، في السر، للبقاء. وحتى قبل صدور قرار التقسيم قدّم خارطة للبريطانيين حول الحدود المُنتظرة للدولة اليهودية، وكانت متطابقة إلى حد بعيد مع ما نص عليه قرار التقسيم في وقت لاحق. وبالنسبة للمشروع النووي كان مستعداً لوقف المشروع مقابل حلف عسكري مع الولايات المتحدة. الفكرة الرئيسة التي لم تفارقه كانت إنشاء الدولة، وضمان وجودها، مهما استدعى ذلك من مساومات وتناقضات. وبقدر ما يتعلّق الأمر بالفلسطينيين، أدرك بن غوريون، وحتى قبل قيام الدولة بعقود طويلة، استحالة التوصل إلى تسوية معهم، فالصهيونية تريد إنشاء دولة لليهود في بلاد يعتبرونها بلادهم، وهذا ما لن يقبله هؤلاء، وهذا ما أوصله، أيضاً، في مناسبات مختلفة، إلى التفكير في الترانسفير، الذي لم ير فيه مشكلة أخلاقية. وطالما لم تتوفر الشروط الكافية لأمر كهذا، فالمتاح، في نظره، إدارة الصراع معهم، أما حله فغير ممكن. واللافت، في ما كشفت عنه الوثائق، أن أوّل شخص سمع منه بن غوريون عن الهولوكوست في ألمانيا، وعن مشروع إبادة اليهود، بطريقة منظمة، على يد النازي، كان فلسطينياً من القدس. على أي حال، في سيرة بن غوريون، كما رسمها سيغيف، لا تتجلى حياة السياسي، الذي ارتفع إلى مرتبة الأيقونة، بالأبيض والأسود، فلا وجود لألوان حصرية كهذه في الواقع، وفي السياسة. الحياة أكثر تعقيداً، ولا تحتمل التبسيط، وهي مرشحة، دائماً، لتفسيرات وتأويلات مختلفة. أنيتا شابيرا، مثلاً، وهي مؤرخة مُحافظة ومرموقة في إسرائيل، حاولت التدليل قبل سنوات على الفرق بين زعيمين عماليين هما بيرل كاتسنلسون وبن غوريون، فأضفت على الأوّل مزايا إنسانية منها التردد والقلق، بينما جرّدت الثاني من هذا كله. وفي كتاب سيغيف الجديد ما يبدد خلاصة شابيرا. على أي حال، الاهتمام بما يقول ويكتب الإسرائيليون عن تاريخهم مهم لنا على أكثر من صعيد: لأن كل ما يتصل بمسألة الدولة الإسرائيلية، وتاريخها، يعنينا لا كمستهلكين سلبيين بل كفاعلين، فلن نتمكن من كتابة تاريخنا في معزل عن تاريخ الآخر الإسرائيلي، وروايته. وكتابة تاريخ كهذا لا تتأتى دون انخراط فاعل في إنشاء الرواية التاريخية، وفي الصراع على تفاصيلها الكثيرة، ما حضر منها وما غاب، وما يستدعي التدليل والتأويل. وفي هذا الصدد، وباستثناء محاولات فردية، وجهود قديمة لمركز الأبحاث، وجهود مقيمة ومحمودة لمؤسسة الدراسات الفلسطينية، تبدو الأكاديميا الفلسطينية وكأنها مصابة بالسكتة الدماغية. وفي السياق نفسه، فإن أخطر ما في المصائر المُحتملة للرموز السياسية والثقافية، في كل زمان ومكان، أن في رفعها إلى مرتبة الأيقونة، ما لا يمكنها من مواصلة الحياة، بل ويجعل منها أداة لتقييد العقل بثنائيات الأبيض والأسود، وهذا ما تفلح فيه، في كل زمان ومكان، وبكفاءة نادرة، بيروقراطية السياسة والثقافة، وهي في كل الأحوال فقيرة المؤهلات، ومُعادية للمعرفة. وهذا يصدق على الإسرائيليين، والمهم، ولسوء الحظ، علينا، أيضاً، وبدرجة أكبر. أما كيف ولماذا فموضوع آخر.
تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع