ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
أنت في المكان الطبيعي
17/02/2018 [ 07:33 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: صادق الشافعي
فلسطين برس:أنت في المكان الطبيعي.. أن تكون في وطنك فأنت في مكانك الطبيعي. ذلك ما يملك عليك وعيك ووجدانك ويستوعبك في كلّيتك، ويسيطر بتلقائية طبيعية حانية وسلسة على كل تفكيرك وحواسك. في الحوارية الشعرية بين الريح وحمامتين تعيشان في صحراء حجازية، حين جهد الريح لإقناع الحمامتين ترك وطنهما الصحراوي والركوب عليه ليأخذهما إلى أرض اليمن، حيث الشجر والخضرة الغناء والمياه الجارية والطقس المعتدل، حسمت الحمامتان الأمر بقولهما: هب جنة الخلد اليمن لا شيء يعدل الوطن. لم تجد الحمامتان أجمل ولا أقدس من جنة الخلد لتقارنا الوطن بهما. كنت في وطني، بزيارة طال الزمن والمساعي المقدّرة والمشكورة كثيراً لتأمين إمكانيتها. قضيت فيه اثنين وعشرين يوماً، لا أجمل ولا أمتع، ولا أعز ولا أغلى. نعم ملك الوطن علي وعيي وسيطر على تفكيري وتسلل إلى كل حواسي وتشربت كل حقائقه بشكل طبيعي وتلقائي خلال تلك الأيام. تشربت، حتى اليقين، الوعي بأنني في مكاني الطبيعي بكل تفاصيل الأمور، وأولها الأهل والأصدقاء والأماكن، وتفاصيل الأشياء أيضاً. ظل الفرح الغامر والانبساط والإقبال، وظل معها النشاط والحيوية (رغم تقدم العمر) حاضرين مستقرين في نفسي ومشاعري. لم تفلح كل المنغصات على تنوع مصادرها وتعدد أشكالها من النيل من حضورهما واستقرارهما، أو تبهيتهما. زاد من ذلك الاستقرار والتوهج حرارة الترحيب والإقبال والاحتضان والكرم الذي لقيته من الأهل. وجدتني وسط عائلة متسعة: ترحمتُ على من قضى منهم خلال فترة غيابي. تذكرت وعرفت من جايلني عمراً، وقد فعلت السنون فيه فعلها الطبيعي كما فعلته بي. سعدت بالأجيال الجديدة: من كان منهم طفلاً فأصبح شاباً يافعاً، ومن كان منهم على أبواب الشباب فاصبح رجلاً مكتمل الرجولة. ولاعبت بفرح الأطفال الذين ولدوا في غيابي. أسرتني اللقاءات المسائية الواسعة تلمّ أبناء العائلة القريبة في بيت العائلة، تضم الأخوين المقيمين في الوطن والأخوات وأبناءهم، وعائلة من كوّن له عائلة منهم، ومن هو على أبواب ذلك، وأبناء الأخوال والخالة، وأبناء العمومة. وكلها لقاءات سادتها الروح العائلية والألفة والمحبة. وسعدت بقيادة جاهة الخطبة لواحد من أبناء الأخ. في قلب الفرح الغامر الشامل، كان هناك مكان لفرح خاص، فرح المستقبل. وهو فرح بقدر ما غمر القلب وأسعده وأبهجه،، فإنه أقنع العقل وطمأنه. وزاد من استقرار الفرح الغامر والنشاط والحيوية أيضاً، حفاوة الاستقبال الذي لقيته لدى الأصدقاء. وجدت المشاعر الطيبة وتعبيرات التفاهم والانسجام وعلامات الود التي نمت طيبة ومخلصة في أيام العمل المشترك في المجال العام والعلني، وجدتها لا تزال عفية وبنفس حرارتها ورسوخها. أما عن الأماكن، فقد كان حضور الوطن كلياً وشاملاً، لكن لظروف خارجة عن الإرادة، فقد تمثل حضوره المباشر والحسي في مدينتي رام الله ونابلس وبعض القرى الملتصقة بهما أو القائمة على الطريق الواصلة بينهما. عن مدينة رام الله فهي العاصمة السياسية للسلطة الوطنية الفلسطينية، وفيها كل ما في العواصم تقريباً من المظاهر والخصوصيات. وأما عن نابلس، فتبقى مدينة المولد واليفاعة والشباب وبداية الرجولة، بكل ما تحمله من ذكريات لا تزال في معظمها طرية تنبض بالحياة. وهي أيضاً، بداية الطريق وأول المشوار. صحيح أنني انتبهت واستوقفني توسعها الهائل وامتدادها العمراني غرباً وشرقاً، وصعوداً أيضاً إلى ارتفاعات غير مسبوقة في الجبلين الشمالي عيبال والجنوبي جرزيم .بل ووصول العمران إلى قمة جبل جرزيم حيث أقامت الطائفة السامرية اليهودية حيها المتكامل، والجديد كلياً. لكن ما شدني وأشعل كل حواسي، هو نابلس القديمة بحاراتها وحجارتها وأزقتها المرصوفة بالحجارة، المحملة بعراقة التاريخ وذكريات أجيال لا يمكن عدّها ودبيب أرجل أسلاف وهدير هتافات ما زال صداها يسمع بتواصل عبر تلك الأجيال. فأنا بالأصل ابن تلك الحارات (حارة الحبلة). عشت فيها كل طفولتي وأوائل شبابي تفضل شقيقي بمرافقتي في جولة طويلة وشديدة الإمتاع في حارات نابلس قبل ظهر يوم سماؤه صافية وجوه معتدل. منطلقنا كان من حارة الحبلة، حارتنا. بدأنا الجولة من مدرسة الجاحظ الثانوية آخر مدارسي ثم مررنا في حارة الجبالية ثم حارة القيسرية وبعدها حارة القريون وانتهينا بحارة الياسمينة، ثم أكملنا إلى سوق الحدادين وفندق "خان الوكالة" الجميل المقام فيها بغرفه المطلة على ساحة داخلية واسعة فيها مقهى ومطعم وصالة مسرح مكشوفة للعروض. استرحنا في آخر حارة الياسمينة وشربنا القهوة في مقهى شعبي مقابل "تكية الصوفيين" المعروفة بتكية الحاج نظمي والقريبة من آخر سوق البصل. في الحارات مررنا بالبيوت العريقة لعائلات نابلس المعروفة: هذا بيت آل النمر وهذا بيت آل طوقان، وهذا بيت آل عبد الهادي، وهذا بيت آل النابلسي و.. و.. جميعها ما زالت تحتفظ بعزها واتساعها وفخامتها، والبعض منها ما زال مسكوناً، ولو جزئياً. في هذه الجولة، زاد يقيني من صحة تسمية مدينة نابلس "دمشق الصغرى". وفي هذه الجولة تيقنت، أنه لو توفر لمدينة نابلس الاستقرار وتوفرت لها الخدمات الأساسية، وجرى لحاراتها وبيوتها الترميم اللازم فإنها سوف تكون كدمشق القديمة في أيام سلامها وتألقها. وبعد، هل تتحقق المنى وتتم العودة المستقرة إلى الوطن؟ أو على الأقل هل سيكون بالإمكان زيارته بشكل دوري؟
تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع