ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
الصداع المزمن بين الشقيقتين، مصر والسودان
13/02/2018 [ 10:57 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: عبير بشير
فلسطين برس:الاجتماع الرباعي الذي استضافته القاهرة مؤخرا بين وزيري الخارجية والمخابرات بمصر والسودان، هو الأول بعد أزمة استدعاء الخرطوم لسفيرها في مصر بغرض التشاور، والتوتر الذي ساد العلاقة بين الجانبين . وقد ساهمت القمة الأخيرة التي جمعت الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره عمر البشير في أديس أبابا على هامش قمة الاتحاد الأفريقي في نزع فتيل الأزمة بين البلدين والتحضير لهذا الاجتماع، حيث جرى الاتفاق على إنشاء آلية تشاورية رفيعة المستوى وبعيدة المدى بين البلدين لتعزيز التعاون بينهما في إطار العلاقة الإستراتيجية التي تجمع بينهما، وكذلك تنقية الشوائب التي تعتري العلاقة الثنائية بينهما، والتعامل مع كافة الملفات والقضايا المرتبطة بمسار تلك العلاقة على قاعدة الإخوة والمصالح المشتركة. وفي واقع الأمر تشهد العلاقات المصرية السودانية، اضطرابات ليس من السهل إخفاؤها أو التقليل من حجمها منذ خمسينيات القرن الماضي، ولم تنجح العبارات الودودة بين مسؤولي القطرين التي تتحدث عن الروابط الأخوية والمصير المشترك في إزالة العقبات واكتساح الألغام، وإن كانت تلعب دوراً كبيراً في احتوائها وتسكينها، قبل أن يشتعل الوضع من جديد. ويشكل ملف سد النهضة الأثيوبي أحد أهم محاور الخلاف بين مصر والسودان، وتشعر القاهرة بالخذلان من الخرطوم بسبب دعمها لموقف أديس أبابا في ملف السد الذي تخشى مصر أن يؤثر على حصتها السنوية من مياه النيل، وترى القاهرة بأن جعل محابس النيل العليا في أثيوبيا ليس في صالح مصر ولا السودان، وخصوصاً بأن كلتا الدولتين هما مصب لنهر النيل، وبدلا من أن يكون سد النهضة رافعة نحو ترسيخ العلاقات بين القطرين الجارين، على اعتبار الخطر المائي المشترك، تسبب هذا الملف بموجات من التوتر على خلفية تباين الرؤية والموقف بين مصر والسودان من السد، وهو ما زاد من صلابة الموقف الأثيوبي ورجح كفته. ولا تكفي الوعود الأثيوبية للسودان بالحصول على حصة من كهرباء سد النهضة بأسعار تفضيلية، والتي يراها السودان كتعويض جزئي عن موارده النفطية التي خسرها بعد انفصال الجنوب النفطي عنه، لتفسير الموقف السوداني في الوقوف على الجانب الآخر في ملف النهضة، رغم أن المتطلبات الهيدروليكية لنهر النيل تفرض وحدة موقفه مع القاهرة، والأهم متطلبات الأمن المائي والهندسي لشعب مصر والسودان التي يهددها إنشاء سد ضخم من دون رقم معلن لمعامل أمانه. وفي عام 2016 قلد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي نظيره السوداني عمر البشير وسام نجمة سيناء، وهو أعلى وسام عسكري مصري، وذلك خلال تلبية البشير لدعوة من السيسي لحضور الاحتفالات الخاصة بالذكرى السنوية لحرب أكتوبر. وأعطت هذه المشهدية الانطباع بأن صفحة جديدة قد فتحت بين البلدين، بعد عقود من الفتور والتوتر، وأن الجانبين نجحا في تجاوز ملف الهاربين من الإخوان المسلمين إلى السودان عقب ثورة 30 يونيو. لكن في العام الماضي، بدأت نقاط الخلافات الدائرية تتقدم إلى الأمام، وعاد النزاع على مثلث حلايب وشلاتين والرمادي يتصدر الواجهة، مع رفض السودان الاعتراف باتفاقية ترسيم الحدود البحرية المصرية السعودية، لكون الرياض اعترفت بحلايب ضمن الحدود المصرية. وتبلغ مساحة المنطقة الحدودية المتنازع عليها نحو اثنين وعشرين ألف كيلومتر، وتطل على ساحل البحر الأحمر، وتقع فعليا تحت السيادة المصرية. وقد لجأت الخرطوم إلى الأمم المتحدة للمطالبة بمثلث حلايب، بينما ترى القاهرة أنها لا ترغب في النزاع حول شيء تمتلكه بالوثائق، وبالفعل على أرض الواقع، حيث هناك تواجد لقوات من الجيش والشرطة المصرية في مثلث حلايب، بالإضافة إلى النظام المصرفي المرتبط كليا بمصر، والعملة المصرية التي يجري التداول فيها في المثلث، والمدارس والمستشفيات المصرية هناك. ورغم أن هذا النزاع الحدودي، كان أحد الأسباب الرئيسية للخلاف المزمن بين البلدين، لكنه في أحيان كثيرة يستخدم للتعبير عن أزمات أخرى، متعلقة بالأجندة الخارجية والداخلية للبلدين، وبعدم التوافق بين رأسي النظام. • غير أن الحدث النوعي في مسار العلاقات بين البلدين، جاء عبر مساعد الرئيس السوداني إبراهيم محمود، الذي أعلن أن هناك تحركات عسكرية لقوات أريترية مصرية مشتركة، في منطقة ساوا الإريترية المتاخمة لولاية كسلا بشرق السودان. وقد استدعى هذا الحدث رداً من الرئيس السيسي الذي أكد أن مصر لم ولن تحارب أشقاءها، وقوة الجيش المصري لا تعني الطغيان على الآخرين. وكان من اللافت، أن قرار استدعاء السفير السوداني في القاهرة إلى الخرطوم جاء عشية الإعلان عن موازنة السودان للعام الحالي، ومع اندلاع التظاهرات في الخرطوم ضد الموازنة وتنقلها من مدينة سودانية إلى أخرى، وقد شرعت الخرطوم في الاستثمار في التخويف من الخطر الخارجي القادم من مصر وأريتيريا وذلك للهروب من أزماتها الداخلية. ومن المعلوم بأن انفصال جنوب السودان عن شماله، أفقد حكومة السودان ثلثي مواردها النفطية والاقتصادية، ما أدى إلى تدهور الوضع الاقتصادي والمعيشي أكثر فأكثر، ودفع الحكومة إلى رفع أسعار المحروقات أكثر من مرة. ويبدو أن غريزة حب البقاء لدى النظام السوداني هي البوصلة التي تحدد له طبيعة تحالفاته، وهو دائماً ما يبحث على رقعة الشطرنج الدولية ما يوفر له الغطاء السياسي والمالي، حيث فاجأ الجميع عندما انقلب على عقود من العلاقة الإستراتيجية القوية والعميقة مع طهران، وأعلن مشاركته في عاصفة الحزم التي تقودها المملكة ضد الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن. وقد توطدت علاقة السودان أكثر مع المملكة في أعقاب الهجوم على السفارة السعودية في طهران، حيث أمر البشير بقطع علاقات بلاده الدبلوماسية مع إيران. ووصل الأمر إلى حد اتهام حزب الله الموالي لطهران، النظام السوداني بتسريب معلومات تتعلق بمراكز التدريب التابعة له في السودان إلى واشنطن، كجزء من الصفقة بين الجانبين والتي أدت إلى رفع العقوبات الاقتصادية والتجارية الأميركية التي كانت مفروضة على الخرطوم. وأتى انقلاب البشير على طهران بدون مقدمات، وذلك على الرغم من التعاون الأمني والعسكري الوثيق بين البلدين لسنوات، والذي كان من أهم مخرجاته مساهمة إيران في تطوير الصناعات العسكرية ونقل الخبرات الأمنية والاستخباراتية إلى السودان. ثم جاء انتقال البشير إلى المعسكر التركي مؤخرا، أو الإتيان بالمعسكر التركي إليه ليشكل مفاجأة غير مرغوب بها هذه المرة لمصر، وذلك مع زيارة الرئيس التركي رجب أردوغان للسودان، الشهر الماضي، ومنح عمر البشير جزيرة سواكن على البحر الأحمر لتركيا لتتولى إعادة تأهيلها وإداراتها وجعلها مركزا بحريا، ورغم الصمت المصري الرسمي عن توجه أردوغان إلى العمق الإستراتيجي المصري في أول زيارة لرئيس تركي إلى السودان، شنت سائل إعلام مصرية هجوما حادا- بالوكالة- على الخرطوم، واعتبرت أن السودان تحول إلى مخالب لقوى إقليمية لإيذاء مصر وأمنها القومي. ورأت في تأجير جزيرة سواكن لأنقرة لمدة 99 عاما مقدمة لتواجد عسكري تركي على البحر الأحمر، ونواة لتحالف سوداني قطري تركي يشكل تهديدا على مصر – أي بوابة العثمانيين الجدد على البحر الأحمر- . ويجري الحديث بأن جزيرة سواكن الأثرية – التي تقع على الساحل الغربي للبحر الأحمر على ارتفاع 66 مترا، وكانت على مدار قرون معبرا تجاريا هاما، وبوابة الحجاج التي تقود إلى شبه الجزيرة العربية، والميناء الرئيسي للسودان خلال الحكم العثماني له ومركزا لبحريته - ستكون باباً واسعاً للشراكة السودانية التركية، وأن المعتمرين الأتراك سيأتون إليها من تركيا قبل ذهابهم إلى السعودية، والأهم أن تخصيص جزيرة سواكن لتركيا ستكون قفزة تركية إستراتيجية غير مسبوقة، حيث ستمتلك تركيا لأول مرة في التاريخ الحديث ناصية على البحر الأحمر وستمثل ثنائياً مع إيران في المنطقة العربية. وعكست زيارة أردوغان مع نظيره السوداني إلى سواكن حيث تنفذ وكالة التعاون والتنسيق التركية "تيكا" مشروعا لترميم الآثار العثمانية- مبنى الجمارك ومسجدي الحنفي والشافعي التاريخيين – مدى ارتباط تركيا بإرث أمبراطوريتها، وحرصها على إحيائه. وعلى كل حال، يرى المراقبون بأن مصر تدفع حاليا ثمن تعاملها مع السودان والقرن الأفريقي كحديقتها الخلفية عبر عقود طويلة، وهو تقصير تاريخي من الإنصاف الإشارة إليه، حيث فقدت مصر أدواتها التفاعلية، والقدرة على التأثير المباشر مع تلك الأقطار، وهو أمر يعيه الرئيس السيسي جيدا ويبذل قصارى جهده من أجل وضع العلاقات المصرية – السودانية والأفريقية على مسارها الصحيح، الذي يليق بالتاريخ والجغرافيا والمصالح المشتركة التي تجمعهما.
تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع