ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
الاستقصاء الصحافي فن تحريري شاق وخطر
10/02/2018 [ 10:24 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: حسن العاصي
فلسطين برس:الاستقصاء في اللغة هو تقصي الأشياء إن كانت كائنات حية من بشر وحيوانات، أو من جماد، أي تتبع الأثر من لحظة التحرك للنهاية. في الصحافة فإن الاستقصاء هو قيام الصحافي أو مجموعة من الصحافيين بإجراء عمليات البحث والتمحيص في موضوع محدد، والنظر في أعماق هذا الموضوع وتتبع كافة الخيوط ذات الصلة به، ثم العمل على معرفة الأسباب والملابسات والدوافع والأطراف المسببة، معرفة الأهداف والغايات واختيار الوقت. كذلك الوصول إلى معرفة الجهات المستفيدة وتلك المتضررة. إنها باختصار معالجة تحليلية عميقة وشاملة لقضية ما، مدعومة بالأدلة والوثائق والقرائن والصور والتسجيلات الصوتية. كل هذه الخطوات تجري بدقة عالية وشفافية ضمن منهاج مهني وموضوعي. لا شك أن اعتماد أسلوب العمل الصحافي الاستقصائي هو أنجع وسيلة كي يصل الصحافي والإعلامي إلى الحقيقة من دون التأثر باي حال من الأحوال بالعوامل التي تتحكم بصناعة الخبر وتسويق الإعلام. الصحافة الاستقصائية عمل شاق ودؤوب وخطِر، يهتم في متابعة الأنشطة المرتبطة بكافة مفاصل المجتمع، مثل الأداء الحكومي، تجارة الممنوعات، غسيل الأموال، الجرائم الجنائية الكبرى، قضايا البيئة، تجارة الرقيق، تجارة الأعضاء البشرية، الاغتيالات السياسية، الاعتقالات لأصحاب الرأي، الفساد السياسي، تبييض صورة أصحاب رؤوس الأموال المشبوهين، ... الخ من قضايا هامة تتعلق بالمجتمع وحياة البشر. إجراء التحقيقات والمتابعات الصحافية الاستقصائية يحتاج إلى صحافيين وإعلاميين من ذوي الخبرة في مجال عملهم كي يتمكنوا من استخراج المعلومات الكامنة خلف أية قضية، ثم الاستفادة القصوى من أية بيانات متوفرة، والمقدرة على تحليل الوقائع واستنتاج الدوافع، للوصول إلى ربط الأحداث فيما بينها لإظهار الحقيقة. إن الصحافة الاستقصائية مكلفة مالياً، لذلك فإنها تحتاج إلى موارد مالية كبيرة من قبل مؤسسة إعلامية أو مؤسسات المجتمع المدني، كي تتمكن من إنجاز مهمتها. الصحافي الاستقصائي أثناء أداء مهمته قد يضطر للسفر إلى دول كثيرة، أو إلى مدن متعددة في البلد الواحد، ويحتاج إلى مساعدات لوجستية، ومعدات خاصة من أجهزة تصوير وتسجيل وخلافه. الصحافة الاستقصائية صحافة غير تقليدية، ولا تعتمد على نشر خبر، إنما تسعى لكشف ما لم يظهر وراء هذا الخبر، وأسباب إخفاء ما لم يُعلن. إذن يمكن أن نحدد الصحافة الاستقصائية على أنها نوع من التحقيقات الصحافية يعتمد على: - وجود مؤسسة إعلامية تتبنى قضية وتسعى للكشف عن ملابساتها. - التحقيق في عمق أية قضية مثارة. - عملية بحث وتحقيق وتنقيب طويلة وشاقة. - وجود صحافيين مخضرمين من أصحاب الخبرات المتطورة. - استعمال المهارات في ربط المعلومات، والقدرة على تحليل البيانات، إيجاد الصلة بين العناصر. - صحافة مستقلة لا وجود للمصالح الشخصية فيها. - اعتماد أساليب وطرق معينة في الصياغة والنشر. - وجود موارد مالية وإمكانيات لوجستية وتجهيزات فنية وإدارية. نظرة تاريخية حول الصحافة الاستقصائية: عرف العالم الصحافة الاستقصائية أول مرة في بداية القرن العشرين في الولايات المتحدة، من خلال نشاط قام به عدد من الصحافيين الأميركيين الذين سعوا إلى الكشف عن الفساد بكافة أنواعه ومحاربته، ونشر نتائج تحقيقاتهم على العامة مرفقة بالصور والوثائق، وتشكل أول اتحاد للصحافيين الاستقصائيين في أميركا عام 1976. أسهمت الصحافة الاستقصائية عبر تاريخها في كشف أسرار كثير من القضايا الحيوية التي تمس مصلحة المجتمع في العالم الغربي من أواسط السبعينيات من القرن الماضي، وأجبرت أصحاب القرار على اتخاذ قرارات وخطوات لإجراء إصلاحات في قطاعات متعددة. بهذا تكون الصحافة الاستقصائية تلعب دوراً مهماً في مكافحة الفساد والجريمة المنظمة. كان لجهود رجال الصحافة الاستقصائية الفضل الأكبر في محاربة المافيا الأميركية منذ أربعينيات القرن العشرين والقضاء عليها، عبر متابعة وتنصت ومراقبة لرجال العصابات، وتم تقديم نتائج ذاك العمل الشاق إلى السلطات، حيث قامت الأجهزة الأمنية تحت ضغط الصحافة والرأي العام في إلقاء القبض على رجال المافيا وتقديمهم للمحاكم، بعد أن كانوا متواطئين معهم. وقد دفع عدد من الصحافيين حينذاك حياتهم ثمناً لعملهم وسعيهم إلى كشف الحقيقة. بعد ذلك شق هذا الأسلوب في العمل الصحافي طريقه إلى أماكن متعددة في العالم، حيث باتت الصحافة الاستقصائية في هذه الأيام تعتمدها الكثير من المؤسسات الإعلامية، وهي تنمو وتتطور وتتسع وتلعب دوراً متزايداً في الكشف عن القضايا الكبرى في المجتمعات، ذلك النوع من القضايا التي لا يستطيع الإعلام العادي متابعتها ومعالجتها. إن الصحافة الاستقصائية ليست هي نفسها الصحافة المتخصصة، ولكن الصحافيين المتخصصين قد يستعينون من بعض تقنيات الصحافة الاستقصائية، لكنهما نمطان مختلفان من الصحافة. وليست هي الصحافة الناقدة، حيث إن مهمة الاستقصاء أبعد وأعمق من النقد. كما أنها ليست التغطية الإعلامية للقضايا المهمة، حتى لو كانت قضايا حيوية كبرى، مثل جرائم الفساد، والجريمة المنظمة، وخلافه. قواعد ومعايير الصحافة الاستقصائية: إن للصحافة الاستقصائية دوراً مهماً في التوصل للحقائق في القضايا المهمة، الكشف عن الجرائم والفضائح الكبرى وربطها بالفاعل الحقيقي. هي أيضاً طريقة لتبيان الصدق من الكذب، والتأكد من حجم القضية الحقيقي دون تضخيم أو تقزيم مقصود من قبل جهات ما. بهذا المعنى فهي وسيلة رقابية فعالة ويمكن لها أن تصنع رأيا عاما حول قضية ما. كما أنها تعبّد الطريق أمام تدخل الأجهزة الرسمية في خطوة لاحقة. على الصحافة الاستقصائية اعتماد مبدأ توثيق المعلومات والبيانات التي يتم الحصول عليها. وحين نشر أية تقارير مرتبطة بقضية ما، يجب أن تكون واضحة ومحددة ودقيقة وتدعّم بالأدلة والبراهين، كما لا يجوز أن تتضمن تقارير النشر أي اقتحام لخصوصية الناس، وعدم التعرض للأديان والعقائد، والحرص على عدم إثارة النعرات الطائفية والعنصرية والمذهبية. وعدم نشر ثقافة الكراهية، والابتعاد عن استخدام المصطلحات المبتذلة، وعدم نشر الصور الفاضحة، كما يجب أن يكون واضحاً للقارئ الحدود الفاصلة بين البيانات والمعلومات وبين وجهات النظر والآراء ومواقف الصحافيين ومؤسستهم الإعلامية. كما يجب الاشارة إلى أن حق الرد مصان لجميع الأطراف المعنيين بالموضوع قيد المتابعة والنشر، وأن تحترم المؤسسة الإعلامية سرية مصادر المعلومات التي حصلت عليها. أيضاً من المهم أن تتم متابعة قضية حقيقية وليست مفتعلة، والابتعاد عن أساليب الكذب والخداع والغش في المتابعة والكتابة. ولأن الصحافة الاستقصائية صحافة متابعة بعمق، على الصحافي الاستقصائي أن يكون يقظاً تجاه كافة التفاصيل المرتبطة بالقضية والتيقن من صحتها، ثم ربطها مع الوقائع الأخرى، وأهمية إيجاد الأدلة والقرائن، وحماية مصادر المعلومات. الصحافة الاستقصائية لا تستطيع التنصت على اتصالات الناس، ولا الدخول إلى أملاك خاصة دون موافقة أصحابها. وعلى الصحافي الاستقصائي أن يبلغ الجهات الأمنية الرسمية في حال تعرضه للتهديد من قبل أية جهة كانت، وأن يتعامل مع التهديدات بجدية كبيرة. العلاقة بين الصحافة الاستقصائية وصحافة التحقيق: إن التحقيق الصحافي كما علمتنا المدارس الصحافية هو التفتيش والتنقيب في قضية ما بهدف الإحاطة بكافة الخيوط المرتبطة بها، والوصول إلى معرفة الدافع والهدف، ثم عرض هذه القضية على الجمهور كما هي، مشفوعة برأي الصحافي أو مؤسسته التي يعمل بها. فالتحقيق الصحافي يستند أساساً على التقاط قضية مجتمعية معينة، وليس بالضرورة أن تكون قضية إشكالية، ربما تكون قضية إيجابية مثل إنجاز ما في ميدان ما من ميادين الحياة، ويقوم الصحافي بداية في إنجاز عملية البحث عن مصادر وعن بيانات ومعلومات متعلقة بقضيته، ويجمع الآراء والمواقف التي تتصل بها، ثم قد يحتاج إلى إجراء بعض المقابلات الشخصية مع ناس يرتبطون بموضوع التحقيق، بعد ذلك يقوم الصحافي بصياغة التحقيق من المادة الصحافية التي حصل عليها، ويقترح حلولاً لمعالجة الإشكالية موضوع التحقيق، أو يقدم اقتراحات ما ضمن تحقيقه. وعادة يرتبط التحقيق الصحافي بالوقائع المتصلة بحياتنا والتي تهم المجتمع أفراداً ومؤسسات. وفي بعض الأحيان قد يؤدي التقرير الصحافي بعد نشره إلى نقاشات وحوارات بين أفراد أو جهات رسمية وشعبية. فيما يتعلق بالصحافة الاستقصائية فإنها صحافة تعتمد على الكشف والبحث والتحقيق، ثم التيقن من صحة البيانات والمواد التي سوف يتم نشرها، وبهذا فإن التحقيق الصحافي يكون جزءًا مهماً من الصحافة الاستقصائية التي أصبحت أداة مهمة لمكافحة الفساد والكشف عن الجرائم الكبيرة في الدول الغربية وتلك الدول التي تمتلك أنظمة سياسية ديمقراطية. كما أن الصحافة الاستقصائية هي التي تقوم بإظهار القضايا الكبرى في المجتمعات والتي عادة لا ترغب السلطة في تسليط الأضواء عليها. التحقيق الصحافي الاستقصائي نمط صحافي يعتمد على الجمع بين جميع الفنون التحريرية الصحافية. هذا النوع من العمل الصحافي صعب ويحتاج كفاءة وخبرة من الصحافي المحرر الاستقصائي، لأن قدرة الصحافي على التقصي والتحليل والربط وإعداد التحقيق هو ما يمنح هذا التحقيق قيمته المهنية ومدى استطاعته التأثير على المجتمع. يتميز التقرير الصحافي الاستقصائي بأنه عمل يقوم به الصحافي من بدايته حتى نهايته. هو ليس تجميعاً لمواد وبيانات قام بها آخرون، ولا إعادة معالجة حقائق توصل لها صحافيون آخرون، بل التقرير الاستقصائي هو مادة أصيلة يقوم بإنجازها الصحافي، ويمكن إجراء مقارنات ومقاربات مع تقارير وبيانات موجودة وربط وقائع بهدف الوصول لنتائج لم تكن معروفة سابقاً. أيضاً التقرير الاستقصائي قد يتطلب إنجازه وقتاً طويلاً، ومن الممكن أن يشترك أكثر من صحافي في الإعداد بسبب عمق البحث الذي ربما يستدعي من الصحافي السفر إلى أماكن متعددة، وأحياناً بسبب قلة الأدلة التي يتم التوصل إليها. في التقارير الصحافية الاستقصائية يقوم الصحافي باختراق حواجز السرية واختراق الأبواب المغلقة التي عادة لا يتم فتحها أمام الصحافيين العاديين الذين يحررون التقارير اليومية. الصحافي الاستقصائي لا يقبل برفض المؤسسات الرسمية والشعبية الكشف عن عملها وتقديم معلومات عنها. ولأن الصحافة الاستقصائية صحافة تسبر أغوار مناطق وأماكن غير اعتيادية فإن حجم المخاطر مرتفع في هذا النوع من الصحافة قد يصل إلى مستوى تعريض حياة الصحافي للخطر. وإن وقع الصحافي لسبب ما في أخطاء بحثية قد يكلف هذا الأمر المؤسسة الصحافية مبالغ ضخمة. فيما يتعلق بالعالم العربي فإن هذا النوع من الصحافة لا يستخدم كثيراً، وما زال انتشاره في أضيق الحدود، إذ إنه يواجه إشكاليات وتحديات كبيرة ومتنوعة ترتبط في غياب الوعي لدى المؤسسات الرسمية والشعبية لأهمية هذا النوع من الصحافة، والدور الذي يمكن أن تقوم به في التنمية المجتمعية، ورصد ومراقبة أداء الهيئات العامة. كما أن غياب الحياة الديمقراطية والبرلمانية في معظم الدول العربية، ووجود توافقات سياسية وحزبية، وغياب معارضات سياسية حقيقية ما زال يشكل عائقاً أمام تطور الصحافة الاستقصائية في العالم العربي. وهناك غياب في كثير من الدول العربية للأطر والتشريعات القانونية تقوم بتنظيم حرية تداول المعلومات، وعدم وجود رؤى استراتيجية لدى الدول العربية تتعلق بآليات هذا النوع من العمل الصحافي، فضلا عن القصور القانوني والثقافي والمهني لدى العديد من الصحافيين، وعدم رغبة الكثير منهم الخوض في تجربة الصحافة الاستقصائية للمشقات والخطر الذي قد يتعرضون له أثناء إنجاز عملهم، وخشيتهم من الفشل، ومن التعرض لدعاوى قضائية. ومن المعيقات أيضاً ندرة المؤسسات الإعلامية العربية التي تدعم الصحافي وتمول عمله الاستقصائي وترصد له ميزانية للتنقل والمصاريف المختلفة. ومعارضة أصحاب مؤسسات إعلامية أو مسؤولين عن الإعلام الرسمي لنشر قضايا مثيرة للجدل في المجتمع، نتيجة الخوف من العقوبة ومن الأشخاص ذوي النفوذ السياسي والمالي، ونتيجة التهديد للسلامة الشخصية.
تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع