ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
النيوليبرالية الإسرائيلية
05/02/2018 [ 07:07 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: عبد الغني سلامة
فلسطين برس:في دراسة أعدها الباحث «خالد عنبتاوي» لمركز مدار، تناول موضوع النيوليبرالية الإسرائيلية، وعلاقتها بالتوجهات المستقبلية لإسرائيل، وبسياسة الاستيطان، واستعرض في مستهل الدراسة تحولات الدولة من النظام شبه الاشتراكي (قبل وبعد إنشائها)، ثم اعتمادها الليبرالية، تحت وطأة أزمتها الاقتصادية التي فاقمت التضخم حتى وصل 400% في منتصف الثمانينيات، وأوصلت البنوك إلى حافة الإفلاس، ثم التحول نحو الليبرالية الجديدة في عهد نتنياهو. في مرحلة «اليشوف» تبنت طلائع الصهيونية نظام الكيبوتس، وقد روج حزب العمل لهذا النظام لدخول «الاشتراكية الدولية»، وكان الهدف منه (إلى جانب الأغراض العسكرية) تعميق انتماء المهاجرين الجدد للأرض. وبعد تأسيس إسرائيل تبنى حزب العمل نظام «دولة الرفاه»، أي توفير كافة الاحتياجات الاجتماعية للسكان (فقط اليهود، مع تمييز عنصري إثني)، وتخصيص موازنات ضخمة للرفاه الاجتماعي (الشيخوخة، التقاعد، التأمين الصحي، الإسكان)، حقوق العمال، مراقبة السوق، ضبط الأسعار، دعم السلع الأساسية، دعم الإنتاج المحلي.. وكانت حينها الحكومة اللاعب الأساس في الاقتصاد وبدور يوازي دور الهستدروت، الذي كان يمتلك قطاعات واسعة من الاقتصاد. ويضيف عنبتاوي: منذ أواسط الثمانينيات تفاقمت الأزمة الاقتصادية في إسرائيل؛ التي لم تكن معزولة عن الأزمة الاقتصادية العالمية، بل ومتأثرة بالتحولات العالمية الكبرى، وتغير وسائل الإنتاج، والثورة العلمية، وبدء ثورة الاتصالات والتكنولوجيا.. حينها بدأ منعطف كبير في الاقتصاد الإسرائيلي، عنوانه سقوط «دولة الرفاه»، والتحول إلى نمط الاقتصاد الليبرالي الجديد. فبدأت الحكومة بالانسحاب التدريجي من تقديم الخدمات الاجتماعية، وخفض الإنفاق الحكومي في هذا المجال، وتحرير السوق من هيمنة الدولة، والحد من التدخل فيه، وتبني سياسات خصخصة القطاعات الحكومية، ورفع الضوابط المفروضة على الاستثمارات الخارجية والعمولات الأجنبية، وتقديم التسهيلات والامتيازات لها. ويوضح عنبتاوي أن هذه السياسات أضرت كثيراً بالطبقات الوسطى والضعيفة، وأدت إلى تفاقم الفجوة بين الطبقات الغنية والفقيرة، وتعمق الفروقات الاقتصادية، فزادت معدلات الفقر من 12% في منتصف الثمانينيات، إلى 20% في السنوات الأخيرة، مقابل تحسن وضع الطبقات الغنية؛ فتضاعفت نسبتها من الدخل من 6% في السبعينيات إلى 14% في السنوات الأخيرة، أدى هذا إلى تبلور طبقة جديدة من المستثمرين، ولكن على أساس عائلي، بدلاً من المنظمات الحكومية والنقابية كالهستدروت. ويؤكد عنبتاوي أن «نتنياهو» لم يكن مضطراً لمسايرة هذه التحولات، والمضي بها قدماً، بل كان من أشد المؤمنين بنظام «النيوليبرالية»، أي أن توجهاته لتعميق «النيوليبرالية» كانت بدافع أيديولوجي أساساً، ويتفق معه في هذا التوجه اليمين الصهيوني (حزب البيت اليهودي وغيره)، وقد ترجم نتنياهو توجهاته بخفض الإنفاق الحكومي على الخدمات الاجتماعية (مخصصات البطالة، الشيخوخة، تأمين الأولاد، التقاعد..)، وهذا التجلي الجديد يجمع بين الأفكار اليمينية والليبرالية الاقتصادية، لذلك ولتبرير هذه السياسات الاقتصادية وشرعنتها والتغطية على أضرارها، كان يجري اختلاق أعداء خارجيين، كالمبالغة في تصوير التهديد الإيراني، والتعمد في إفشال مساعي التسوية مع الفلسطينيين. والأهم من ذلك تعميق الاستيطان. فما جرى عملياً، هو تشجيع واستمالة الطبقات الضعيفة للانخراط في مشروع الاستيطان (المتدينون اليهود يشكلون فقط 30% من مجموع المستوطنين)، واستمالة جمهور الصهيونية الدينية أكثر فأكثر نحو اليمين السياسي الاقتصادي؛ وهكذا، صار الاستيطان أداة تعويضية عن سقوط دولة الرفاه اليهودية. يوضح الباحث أنه في هذا الإطار تبلورت طبقة واسعة من المستوطنين، الذي ربطوا مصالحهم الطبقية بالنظام النيوليبرالي، حيث صار البرنامج الاقتصادي للأحزاب اليمينية المتطرفة عماده «النيوليبرالية»، وهذا ما يفسر زيادة وتوسع الاستيطان بخط تصاعدي منتظم منذ بداية التسعينيات؛ حيث تحول الاستيطان من أحد أدوات السياسة النيوليبرالية، إلى أحد أهم مصادر قوته السياسية والاقتصادية. ولهذا الغرض تقدم الدولة إغراءات للإسرائيليين للتوجه نحو الاستيطان، فمثلاً تحصل المستوطنات على 11% من مجمل الموازنة العامة، وتصنَّف كمناطق تتمتع بالأفضلية، وتمنَح إعفاءات ضريبية وحوافز أخرى، لذلك نجد نسبة البطالة في المستوطنات أقل مقارنة بباقي المدن، وكذلك معدلات الأجور فيها أعلى، وبلغ الاستثمار بالمواطن الإسرائيلي 20000 شيكل سنوياً مقارنة بِـ 93000 شيكل للمستوطن، أي نشأت دولة الرفاه الاستيطانية، وتحول الاستيطان إلى مكون أساس في الاقتصاد الإسرائيلي. وقد ترافقت التحولات نحو النيوليبرالية مع التوسع الاستيطاني، ضمن علاقة عضوية تجمعهما معاً، فالحكومة تضمن أصوات المستوطنين ودعمهم، وفي المقابل ربط المستوطنون مصالحهم مع استقرار الحكومة، أي ضمان حكم اليمين، أدى هذا إلى تعميق التحولات الصهيونية في المجتمع الإسرائيلي ككل إلى اليمين أكثر، وصعود يمين جديد أكثر تطرفاً، مشكل من الليكود والحريديم، وشمل ذلك أيضاً انزياحات حزب العمل نحو النيوليبرالية (وحزب شاس أيضاً)، كما أدى إلى استشراء قوة المستوطنين، لدرجة صارت تنافس الدولة. ومع تعميق «النيوليبرالية» والخصخصة أخذ الاقتصاد الإسرائيلي يتجه أكثر نحو تركيز النشاط الاقتصادي في يد طغمة معينة من أصحاب رؤوس الأموال، تحتكر لنفسها أهم القطاعات الاقتصادية، وهذه الطبقة صار من مصلحتها استمرار حكم اليمين، وبالتالي زيادة الاستيطان. وقد طرأ تغيير بنيويّ في فهم هذه الطغمة لعلاقة العملية السلمية بالازدهار الاقتصادي، خاصة أن الاقتصاد الإسرائيلي شهد نمواً ملحوظاً في العقد الأخير، رغم الحروب التي شنها الجيش، ورغم تعثر التسوية، وذلك بسبب التوازن الذي أحدثته نسبة الصادرات العالية الإسرائيلية، وهذا بدوره رسخ قناعة لدى هذه الأوساط بأن النمو الاقتصادي ليس بالضرورة مرتهن بالتسوية السياسية، وعليه، بدأت ترى أن مصالحها مرتبطة بالأساس بالاستقرار السياسي، ووجود حكومة قوية، ولا ضرورة لأي تسوية سياسية. وهذا لا يتناقض مع حقيقة أن انعدام الاستقرار الأمني وانغلاق الأفق السياسي يؤثران على الاقتصاد؛ لكن من يدفع الثمن هم الطبقات الوسطى والفقيرة، التي بات تأثيرها ضعيفاً. إن نتنياهو بتبنيه «النيوليبرالية»، يقامر بمستقبل إسرائيل؛ فدولة الرفاه، وما تضمنته من قيم، كانت ضرورية لاستقطاب المهاجرين اليهود، وضمان بقائهم، فضلاً عن الادعاءات الأيديولوجية الصهيونية، التي شكلت قيم إسرائيل ورسالتها (المزعومة)، وهذه كلها باتت مهددة، فالأضرار الجسيمة التي لحقت بالطبقات الوسطى والفقيرة، لا تهدد قيم الانتماء للدولة وحسب؛ بل وستصبح سبباً للاحتجاجات الجماهيرية (شهدنا بوادرها سنة 2011)، وتفجير التناقضات الداخلية التي يزخر بها المجتمع الإسرائيلي. كما أن إغلاقه للأفق السياسي، وتعنته سيزيد من عزلة إسرائيل، وحينها ستجد إسرائيل نفسها محاطة بأعداء جدد خلقتهم بيديها، الطبقات الفقيرة والوسطى اليهودية من جهة، ودولة المستوطنين التي ستبتلع الدولة نفسها من جهة ثانية.
تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع