ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
التغيرات الديموغرافية في فلسطين منذ وعد بلفور عام 1917
31/01/2018 [ 18:01 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: د. أحمد رأفت غضية
فلسطين برس:بدأت طموحات الحركة الصهيونية لإقامة دولة لهم على أرض فلسطين مع نهاية القرن التاسع عشر، من خلال المؤتمر الصهيوني الذي عقد في مدسنة بازل في سويسرا ما بين 29 و31/8/1897 بقيادة تيودور هيرتزل، وكان من أهم قراراته العمل على إيجاد وطن لليهود في فلسطين. في عام 1917 صدر وعد بلفور الذي يدعم إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، كما أن بريطانيا أعلنت أنها ستبذل ما بوسعها لتحقيق هذا الهدف. ومن بين أهم الإجراءات التي قامت بها حكومة بريطانيا تسهيل الهجرة اليهودية إلى فلسطين، بالإضافة إلى دعم إقامة مؤسسات سياسية واجتماعية صهيونية في فلسطين لتشكل نواة الدولة الموعودة. تظاهر العرب احتجاجا على ما تقدمه بريطانيا من تسهيلات للهجرة اليهودية أخذ شكل هبات متقطعة، كانت أولاها بين عامي 1920 و1921، ثم هدأت الأوضاع بصورة نسبية لمدة ثماني سنوات، ما أتاح الفرصة أمام الحركة الصهيونية لاستئناف موجات الهجرة يشكل هادئ، الهبة الثانية كانت عام 1929 وعرفت بثورة البراق، تلاها حالة من الهدوء النسبي لمدة سبع سنوات استغلت في استقدام آلاف المهاجرين اليهود جلهم من الشباب. وفي نيسان عام 1936 اندلعت ثورة الفلاحين، وقد حققت هذه الثورة نجاحاً ملحوظاً، ما دفع الحكومة البريطانية لإصدار الكتاب الأبيض عام 1939 الذي دعا إلى إقامة دولة واحدة على أساس نسبي، كما دعا إلى تحديد الهجرة اليهودية وبيع الأراضي إلى اليهود، لكنه لم يدعُ إلى وقفهما. توقفت الثورة في أيلول 1939 وهو تاريخ اندلاع الحرب العالمية الثانية، وكان للحكومات العربية أثناء الثورة دور مهادن لبريطانيا ويدعو الفلسطينيين للتهدئة والوثوق بالوعود البريطانية، ومن الواضح أن بريطانيا لم تكن جادة في موقفها، وهدفت من هذا الكتاب إلى تهدئة العرب للتفرغ إلى إدارة صراعها على المستوى العالمي في الحرب العالمية الثانية. عاودت بريطانيا استخدام القوة ضد العرب مما أدى إلى إضعافهم، وفي المقابل تمكن اليهود من بناء قوة يحسب لها حساب في هذه الفترة (Kabaha, 1988). في 29/11/1947 أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرار تقسيم فلسطين والذي يحمل الرقم 181، والذي دعا إلى تقسيم فلسطين إلى دولتين، واحدة عربية والثانية يهودية، ووضع القدس تحت السيطرة الدولية، وخصص القرار 56% من مساحة فلسطين للدولة اليهودية، وكان موقف معظم القيادة الفلسطينية والعربية هو رفض القرار، أما موقف اليهود فكان في ظاهره مؤيداً للقرار وفي حقيقته رافضا له، خاصة أن العصابات الصهيونية استمرت في ارتكاب المجازر بعد صدور القرار، وفي هذه الفترة كان يعيش في فلسطين 1.4 مليون فلسطيني و605 آلاف يهودي (30% من مجموع السكان)، وكان اليهود يسيطرون على 7% فقط من مساحة فلسطين الانتدابية. في 15/5/1948 قررت بريطانيا سحب قواتها من فلسطين، وأعلن ديفد بن غوريون إقامة دولة إسرائيل وفقا لقرار التقسيم. اندلعت الحرب بعد انسحاب القوات البريطانية، ودخلت الجيوش العربية الحرب إلى جانب الفلسطينيين إلا أنها هزمت نظرا لانعدام التنظيم في صفوفها ونقص العدة والعتاد وعدم التنسيق فيما بينها. في حين كانت القوات الصهيونية مدربة جيداً، وكان قسم منهم قد خدم في الجيوش الأوروبية وخاصة الجيش البريطاني، بالإضافة إلى أن عددهم كان يزيد على 62 ألف مقاتل، وشكلت الحركة الصهيونية العصابات مثل الهاجاناه والأرغون وشتيرن، وكانت مهمتها إرهاب وترويع العرب في مدنهم وقراهم لدفعهم للهجرة (Tamari, 2006). مع نهاية الحرب وتوقيع اتفاقية الهدنة عام 1949 كان اليهود قد سيطروا على 78% من أرض فلسطين الانتدابية، ولم يتبق سوى 22% تتمثل بالضفة الغربية وقطاع غزة، فوضعت الضفة الغربية تحت الحكم الأردني وقطاع غزة تحت الإدارة المصرية. إن الإجراءات الإسرائيلية في الموضوع الديموغرافي تنبع من عدة منطلقات، أهمها الخطر الأمني للتفوق الديموغرافي الفلسطيني، وعنصرية الكيان الصهيوني الذي لا يتقبل الآخر ويرفضه، وميل اليهود للعيش في معازل خاصة وعدم الاندماج في الثقافات الأخرى، ومن هنا يطرح الإسرائيليون حالياً فكرة تبادل الأراضي في المناطق التي يتفوق فيها الفلسطينيون ديموغرافياً على اليهود، مثل منطقة مدينة أم الفحم والمثلت الفلسطيني بشكل عام. أهمية الدراسة تنبع أهمية الدراسة من أهمية العامل الديموغرافي في تحديد مستقبل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني وأخذ العبر من تاريخ هذا الصراع، خاصة فيما يتعلق بعمليات التهجير القسري التي تعرض لها الشعب الفلسطيني، والحيلولة دون تكرار ذلك عن طرق تعزيز صمود السكان في أرضهم. أهداف الدراسة تهدف هذه الدراسة إلى إبراز مراحل التغير الديموغرافي منذ وعد بلفور عام 1917 حتى الفترة الحالية، كما تهدف إلى تحليل الإجراءات الإسرائيلية الهادفة إلى تحقيق تفوق ديموغرافي دائم على الفلسطينيين، والسعي حثيثا لتحقيق اعتراف بيهودية الدولة، وتهدف أيضا إلى لفت انتباه أصحاب القرار الفلسطيني بضرورة اتخاذ إجراءات على الأرض من شأنها تقوية انتماء المواطنين لأرضهم وعدم الهجرة إلى الخارج، خاصة إلى الدول التي تيسر عمليات الهجرة من فلسطين. إن موضوع التحولات الديموغرافية في فلسطين يحتل مكانة متقدمة لدى الباحثين الفلسطينيين والإسرائيليين والدوليين، لما له من أهمية في تحديد مستقبل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، والحلول السياسية المقترحة. تناول يوسف كامل إبراهيم عام 2004 موضوع التحول الديموغرافي القسري في فلسطين، وتوصل في دراسته إلى أن العامل الجغرافي المتمثل بالأرض، والعامل الديموغرافي المتمثل بالهجرة اليهودية إلى فلسطين، وطرد العرب من وطنهم، لها الكلمة الفصل في هذا الصراع. كما تناول محمد مراد عام 2011 موضوع الدولة اليهودية وإشكاليات الهوية والجغرافيا السياسية والديموغرافيا بالدراسة والتحليل، وخلصت الدراسة إلى اعتبار المشروع الصهيوني ترجمة لفكرة يهودية عقائدية تهدف إلى السيطرة على فلسطين وطرد سكانها وإقامة دولة يهودية، والانتقال من مرحلة الأسرلة إلى مرحلة التهويد. أما الباحث جمال البابا (2004) فقد تناول موضوع الهاجس الديموغرافي في إسرائيل، وخلصت دراسته إلى أن إسرائيل معنية بتضخيم الخطر الديموغرافي بهدف تحقيق مكاسب سياسية، والتهرب من أي استحقاقات قد تفرضها العملية السياسية، خاصة فيما يتعلق بموضوع الحدود وحق العودة للاجئين الفلسطينيين، وتقدم إسرائيل نفسها دولياً خاصة أمام الولايات المتحدة وأوروبا بأنها يمكن أن تكون ضحية فيما لو طبق قرار حق العودة للاجئين الفلسطينيين رقم 194 الصادر عن الأمم المتحدة. أما أكرم أبو عمرو فقد تناول الاستيطان الإسرائيلي بين الجغرافيا والديموغرافيا (2010)، وخلصت الدراسة إلى أن فكرة الاستيطان اليهودي في فلسطين مستمدة من فكر أيديولوجي يهدف إلى تحقيق الحلم اليهودي "دولة إسرائيل من النيل إلى الفرات". وقام حسن عبد العال (2001) بتحليل الجيوبوليتيكا الإسرائيلية، وتبين من الدراسة أن الفكر الصهيوني عمل جاهداً على تطبيق فكرة التمدد الجغرافي وتوسيع المجال الحيوي للدولة وصولاً إلى مشروع "إسرائيل الكبرى"، مستفيداً من الجانب العملي التطبيقي للجيوبوليتيكا النازية أكثر مما استفادت من الجانب النظري الذي تمثل في أفكار ونظريات هوسهوفر، ولا بد من تطوير الحركة الصهيونية والدولة الصهيونية لفكرتها على هذا الصعيد، ونقلها من مستوى النزعة الجيوبوليتيكية إلى مستوى جيوبوليتيكا الحرب. وتناول صلاح عبد العاطي (2007) الاستيطان الصهيوني في فلسطين حتى عام 1948، وخلصت الدراسة إلى اعتبار المستعمرات اليهودية بمثابة رأس حربة في برنامج إسرائيل التوسعي القائم على سياسة فرض الأمر الواقع. أما نبيل السهلي فقد قام بدراسة "فلسطين أرض وشعب" تناول فيها التغيرات التي حصلت للشعب الفلسطيني بعد انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول في بازل في سويسرا، وتوصلت الدراسة إلى أنه تم طرد نصف الشعب الفلسطيني عام 1948 بالقوة، كما تم تدمير 385 قرية فلسطينية. وتناول ماوريتسيو سكاينيScaini Maurizio (2006) موضوع الديموغرافيا والأقليات والهجرة وعوامل جغرافية سياسية جديدة في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وخلصت الدراسة إلى أن السياسة الإسرائيلية تنطلق من تخوفات إسرائيل على وجودها في ظل عدم اعتراف الفلسطينيين بحق إسرائيل يالوجود – علما بأن منظمة التحرير الفلسطينية اعترفت بدولة إسرائيل عام 1993-، وعزت الدراسة بناء جدار الفصل لدواعٍ أمنية، كما أن الانسحاب من غزة كان لدواعٍ ديموغرافية. وقام ستيفن روسو شندل (2009) بدراسة السياسة السكانية الإسرائيلية وتأثيرها على السياسة العامة وحقوق الإنسان الفلسطيني، وخلصت الدراسة إلى اعتبار الفلسطينيين قنبلة ديموغرافية، وأن السياسات الإسرائيلية تهدف إلى دفع الفلسطينيين إلى الهجرة، وأن هذه السياسات تتعارض مع حقوق الإنسان. مما سبق يتبين أن إسرائيل تولي اهتماماً كبيراً بالوضع الديموغرافي في فلسطين، وأن سياستها قائمة على دفع السكان الفلسطينيين للهجرة إلى الخارج، وفي الوقت نفسه تعمل السياسة الديموغرافية الإسرائيلية على تعزيز التفوق الديموغرافي الإسرائيلي في فلسطين. الوضع الديموغرافي في فلسطين قبل عام 1917 ظهرت أول دعوة يهودية للهجرة إلى فلسطين عام 1865 من خلال يهودي تركي يدعى شبتاي تزفي Shabbetai Tzvi، وقد أمر السلطان العثماني سليم الأول بالقضاء على حركته، إلا أن أتباعه وهم من يهود الدونمة تظاهروا بالإسلام، وتمكن قسم منهم من الوصول إلى مناصب رفيعة في الدولة العثمانية والجيش في فترة ضعف الدولة (الزيتونة، 2012). وقد وضعت الحركة الصهيونية نفسها في مواجهة مع السكان الفلسطينيين من خلال ليس فقط الهجرة، ولكن أيضا من خلال الاستعمار الاستيطاني بهدف السيطرة على الأرض وطرد السكان العرب (تيم، 1986). أدى ضعف الدولة العثمانية في مطلع القرن العشرين، وحصول الدول الأوروبية على امتيازات فيها إلى ترجمة أطماع هذه الدول إلى أفعال على الأرض، فاتفقت بريطانيا وفرنسا على تقاسم نفوذهما في الوطن العربي من خلال اتفاقية سايكس بيكو عام 1916، فكانت فلسطين من نصيب بريطانيا. وفي 2 تشرين الثاني من عام 1917 أصدر وزير الخارجية البريطاني ارثر جيمس بلفور تصريحاً ينص على إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، عرف فيما بعد بوعد بلفور، ونص هذا الوعد على: "أن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يفهم جلياً أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة الآن في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الأخرى". عملت بريطانيا بموجب هذا الإعلان على تقديم كل التسهيلات لهجرة اليهود إلى فلسطين، وزيادة عدد المستوطنات اليهودية. ويعتبر هذا الوعد غير قانوني لأن بريطانيا لا تملك أرض فلسطين، وفلسطين ليست جزءاً من بريطانيا، وبريطانيا قوة استعمارية، وبالتالي فإن بريطانيا لا يحق لها أن تمنح أرضا ليست لها إلى غرباء قادمين من بلاد بعيدة (الكيالي، 1990). صدر صك الانتداب البريطاني من قبل عصبة الأمم المتحدة عام 1922، أي بعد الاحتلال البريطاني لفلسطين بـ6 سنوات، وهذا الصك عزز نفوذ بريطانيا في فلسطين وأعطاها القدرة على اتخاذ إجراءات عملية على الأرض لتنفيذ وعد بلفور، وعلى رأس هذه الإجراءات السماح لمزيد من الهجرة اليهودية واستيطان الأراضي، وكان مكدونالد قد بعث برسالة إلى وايزمن أكد له فيها التزام بريطانيا بتنفيذ وعد بلفور. في عام 1920 انعقد المؤتمر العربي الفلسطيني الثالث بمدينة حيفا برئاسة موسى كاظم الحسيني، وقرر رفض وعد بلفور، ومنع الهجرة اليهودية، وتشكيل حكومة وطنية لفلسطين. الجدول (1) يبين موجات الهجرة اليهودية إلى فلسطين بين عامي 1880 و1948 موجة الهجرة الفترة عدد المهاجرين جهة القدوم الأولى 1880-1903 25000 روسيا-بولندا-رومانيا الثانية 1904-1914 34000 روسيا وشرق أوروبا الثالثة 1919-1923 35100 بحر البلطيق-روسيا-بولندا الرابعة 1924-1931 78898 بولندا-رومانيا-الشرق الأوسط الخامسة 1932-1939 224784 ألمانيا-أوروبا الغربية-بولندا السادسة 1940-1948 118300 وسط أوروبا- البلقان-بولندا-الشرق الأوسط المجموع 1880-1948 516082 شكل رقم (1): المهاجرون اليهود إلى فلسطين بين عامي 1880 و1948 يبين الشكل أعلاه أن الهجرة اليهودية إلى فلسطين كانت منخفضة قبل وعد بلفور، حيث بلغ عدد المهاجرين اليهود إلى فلسطين بين 1880 و1919 فقط 59 ألفا (خلال 39 سنة)، في حين تضاعف العدد بين 1919 و1948 (خلال 29 سنة) وبلغ 457 ألفا، وهذا يؤكد التخطيط المحكم من قبل بريطانيا وبالتعاون مع الحركة الصهيونية لتنفيذ وعد بلفور، ومن الملاحظ أيضا أن موجات الهجرة الأولى جاءت في معظمها من روسيا وبولندا وشرق أوروبا بشكل عام، إلا أن مصادر الهجرة تغيرت في الثلاثينات والأربعينات من القرن العشرين وأصبح معظمها من أوروبا الغربية، ليصل عدد المهاجرين حتى عام 1948 إلى أكثر من نصف مليون مهاجر، وهذا العدد بالتأكيد يؤثر على الوضع الديموغرافي في فلسطين، ولا ننسى أن غالبية المهاجرين اليهود هم من الشباب القادرين على العمل وحمل السلاح. جدول رقم (2): نسبة كل من السكان العرب واليهود في فلسطين بين عامي 1914 و1948 السنة نسبة العرب% نسبة اليهود% 1914 92 8 1918 92 8 1922 89 11 1931 83.1 16.9 1944 69 31 1947 68.6 31.4 1948 68.5 31.5 المصدر: صالح، 1996 وهذه النسب وفقاً لمصادر الحكومة العثمانية وتقدير حكومة فلسطين والتقديرات الرسمية لحكومة الانتداب البريطاني. شكل رقم (2): نسبة السكان العرب ونسبة اليهود في فلسطين بين عامي 1914 و1948 الشكل السابق يبين التزايد المستمر في نسبة اليهود، فقد ارتفعت النسبة من 8% فقط عام 1914 إلى 31.5% عام 1948، ومن الواضح أن فترة الثلاثينات والأربعينات من القرن العشرين كانت هي الأكثر نشاطاً للمهاجرين اليهود إلى فلسطين. وقد رافق الهجرة اليهودية إلى فلسطين ارتكاب المجازر ضد السكان العرب على يد العصابات الصهيونية، فحتى عام 1948 ارتكبت ما يزيد عن 34 مجزرة تم الكشف عنها، ناهيك عن المجازر التي لم يتم كشفها، وقد دفعت هذه المجازر المروعة ما يزيد عن 800 ألف فلسطيني للهجرة هربا من القتل والتدمير وطلبا للأمن، بالإضافة إلى تدمير نصف القرى الفلسطينية (531 قرية)، وهذه القرى تملك 92.6% من المساحة الكلية لفلسطين (أبو ستة، 2001). أنشأت الحركة الصهيونية الوكالة اليهودية، وكانت مهمتها التخطيط للهجرات اليهودية إلى فلسطين، كما أنشئ الصندوق القومي اليهودي، وكانت مهمته شراء الأراضي، أما المنظمات العسكرية وشبه العسكرية فكانت مهمتها الأمن والحراسة وقتل الفلسطينيين (المسيري، 1988)، ولا يغيب عن أذهاننا ما قامت به حكومة الانتداب البريطانية من تقديم التسهيلات لليهود للاستيطان في فلسطين وتوفير فرص العمل لهم والتغاضي عن جرائمهم بحق الفلسطينيين، وتسهيل نقل الأراضي إليهم (البديري، 1998). أما نسبة الأراضي التي حازها اليهود حتى عام 1948، فقد بلغت حوالي 6.6% من مساحة فلسطين، نصفها تم شراؤه من كبار ملاك غائبين غير فلسطينيين، ومن كبار ملاك فلسطينيين (البديري، 1998). وقبل انتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين بشهر تقريباً بدأت العصابات الصهيونية بهجوم منظم على القرى العربية بهدف وصل المناطق التي استولوا عليها وطرد السكان العرب منها، كما قاموا بمحاصرة عدد كبير من القرى العربية من ثلاث جهات، وتركوا جهة رابعة مفتوحة أمام الفلسطينيين للهرب ونقل أخبار المجازر بهدف ترويع الناس وعدم العودة إلى قراهم. وبعد انتهاء الانتداب قامت العصابات الصهيونية بارتكاب 17 مجزرة أخرى (بارود، 2008). وقد قدرت الأمم المتحدة عدد الفلسطينيين الذين هجّروا من بيوتهم وأراضيهم حتى نهاية عام 1948 بـ725 ألف نسمة (توفيق، 1978)، أما (أبو لغد، 1972) فقد قدر العدد بـ900 ألف نسمة، وقبل توقيع اتفاقية الهدنة عام 1949 كانت العصابات الصهيونية قد سيطرت على 78% من فلسطين. إن الفترة التي سبقت عام 1948 اتسمت بتخطيط مشترك بين الحركة الصهيونية وبريطانيا، فكلما شعروا بتماسك المقاومة الفلسطينية وفعاليتها يخرجون بمشروع سياسي جديد ووعود كاذبة إلى حين امتصاص غضب السكان، ثم يستأنفون إجراءاتهم الهادئة للسيطرة على مزيد من الأراضي وتهجير أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين، واستقدام آلاف اليهود من مختلف أنحاء العالم. لذلك كانت المقاومة الفلسطينية متقطعة وغير ضاغطة على حكومة الانتداب لتغير فعلا من سياستها تجاه الهجرة اليهودية وتسريب الأراضي لليهود. الوضع الديموغرافي في فلسطين بين عامي 1949 و1967 انشغلت إسرائيل في هذه الفترة في ترتيب أوضاعها الداخلية، خاصة فيما يتعلق بوضع الأطر القانونية للسيطرة على أملاك اللاجئين الفلسطينيين والتضييق على الذين بقوا في أراضيهم، وفي الوقت نفسه بدأت إسرائيل بتقوية علاقاتها السياسية والاقتصادية مع مختلف دول العالم وخاصة الدول الكبرى لإضفاء الشرعية السياسية على وجودها وتلقي المساعدات الاقتصادية والعسكرية ومواجهة التحديات المحتملة، وتمكنت من بناء مفاعل نووي في ديمونا بالنقب عام 1958 بالتعاون مع فرنسا أحد أهم أقطاب الاستعمار في المنطقة. حتى عام 1949 سيطر الكيان الإسرائيلي على 78% من مساحة فلسطين الانتدابية، ولم يتبق من فلسطين سوى الضفة الغربية وقطاع غزة بعدد محدود من السكان، أما أراضي فلسطين 1948 فلم يتبق فيها من العرب سوى 11% أو ما يقارب 156 ألفاً، وتركز وجودهم في مناطق الجليل والمثلت والنقب، في حين أجبر حوالي 800 ألف إلى الهجرة سواء إلى المناطق الفلسطينية المجاورة أو إلى الدول العربية وخاصة لبنان وسوريا والأردن (الشرقاوي، 2007). بدأت إسرائيل عملية إدارية ضخمة لأملاك اللاجئين الفلسطينيين، بالإضافة إلى 50% من أراضي الفلسطينيين الذين بقوا في أراضيهم، فقامت بتحويل أملاكهم للملكية اليهودية العامة. وفي عام 1950 صدر قانون أملاك الغائبين، ثم قانون أملاك الدولة عام 1951، وقانون استملاك الأراضي عام 1953، وبدأت عملية نقل الأرض استناداً إلى تسوية الملكية، مما أدى إلى حرمان كثير من العرب من حق الاحتفاظ بأراضيهم، وفي مراحل لاحقة تحول التركيز القانوني في مصادرة الملكية إلى تقييد استعمالات الأراضي (يفتاحئيل، 2012). وبناء على تعليمات القيم على أملاك الغائبين الذي عين بتاريخ 15/7/1948 فقد اعتبر الفلسطينيون الغائبون فاقدي الحق في أملاكهم ومنعوا من العودة إليها (حيدر، 2007). وقد حدد قانون استملاك الأراضي لعام 1953 مدة عام تستطيع الدولة خلاله امتلاك الأرض في حال توفرت ثلاثة شروط: لم يكن الملك في حوزة أصحابه بتاريخ 1/4/1952، وأن الملك تم تخصيصه لغرض التطوير أو الاستيطان أو الأمن بين 14/5/1948 و1/4/1952، وما زالت هناك حاجة للملك للغرض نفسه (العلي، 2010). شهدت الفترة بين 1949 و1967 نشاطاً كبيراً للهجرة اليهودية إلى فلسطين، فجميع العوائق قد أزيلت وأصبحت إسرائيل دولة معترفاً بها من الأمم المتحدة وفق القرار 181، وأصبحت المنظمات الصهيونية في العالم تعمل مع دولة إسرائيل، ففي السنوات الأربعة الأولى بعد 1948 وصل إلى إسرائيل حوالي 700 ألف مهاجر من أوروبا ومن الدول العربية خاصة اليمن وليبيا والعراق. وقد بلغ المجموع الكلي للمهاجرين بين عامي 1949 و1967 حوالي 1.3 مليون يهودي (info.wafa.ps.). كما انخفضت نسبة العرب في فلسطين نتيجة الهجرة اليهودية من 18% (156 ألفاً) في نهاية عام 1948 إلى حوالي 12% (313 ألفاً) في نهاية عام 1966. الوضع الديموغرافي في فلسطين بعد عام 1967 تأرجحت نسبة الفلسطينيين في هذه الفترة بين 14.1% في نهاية عام 1967 و18.6% في نهاية عام 1993. ومنذ عام 1967 أصبحت الإحصاءات الإسرائيلية تشمل القدس الشرقية واعتبرتها جزءا من إسرائيل، حيث بلغ عدد سكانها في ذلك العام 70 ألفاً وارتفع إلى 155 ألفاً عام 1993. ومنذ عام 1983 أصبحت إسرائيل تشمل الجولان في إحصاءاتها بعد إعلانها عن ضمها، حيث بلغ عدد سكانها عام 1993 حوالي 17 ألف نسمة. اتبعت إسرائيل سياسة مصادرة الأراضي وبناء المستعمرات في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة والجولان وسيناء، إلا أنه وبعد توقيع اتفاقية كامب ديفد بين مصر وإسرائيل عام 1978 أزالت إسرائيل مستعمراتها في سيناء، وفي عام 2005 خرجت إسرائيل من معظم قطاع غزة وأزالت المستعمرات منها لأسباب في جوهرها ديموغرافية. أما بالنسبة للضفة الغربية فتعمل إسرائيل على تعزيز وجودها الاستعماري فيها، فأقامت ما يزيد على 150 مستعمرة في مختلف أنحائها مع تركيز لافت حول مدينة القدس، فطوقتها بـ20 مستعمرة من الجهات الشمالية والجنوبية والشرقية، بهدف تحقيق تفوق ديموغرافي يهودي، وتعمد إسرائيل إلى التقليل من نسبة العرب في القدس وتنشر أرقاماً غير صحيحة، إلا أن كثيراً من الباحثين الإسرائيليين أوضحوا أن السكان العرب يزيدون بصورة أكبر بكثير من زيادة اليهود، فأشارت معطيات الكتاب السنوي الإحصائي للقدس، التي ينشرها معهد القدس، بأنه بين السنوات 1967 وحتى 2015 ازداد عدد السكان اليهود في المدينة بـ174 ألف نسمة، ولكن السكان العرب ازدادوا في هذه الفترة الزمنية ضعفين فأكثر، وحسب المعطيات الرسمية، يعيش في القدس اليوم 542 ألف يهودي (مقارنة بـ187700 قبل خمسين سنة) و324 ألف عربي (مقارنة بـ86600 قبل خمسين سنة)، وبذلك يشكل الفلسطينيون 37% من مجموع سكان القدس. وفي الضفة الغربية بشكل عام، بما فيها القدس الشرقية، فقد ارتفع عدد المستعمرين في عام 2014 ليصل إلى 589285 مستعمراً، بزيادة قدرها 4%، وفق أرقام صادرة عن وزارة الداخلية الإسرائيلية. وكان نحو 375 ألف مستعمر يعيشون في بداية عام 2014 في المناطق المصنفة "ج" في الضفة الغربية المحتلة، وهي المناطق التي توجد فيها غالبية المستعمرات التي يعتبرها المجتمع الدولي غير شرعية. ويعيش نحو 300 ألف فلسطيني في منطقة "ج"، بحسب مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة (أوتشا)، وتعد مستوطنتا موديعين عيليت، غرب رام الله (64862 مستعمراً) وبيتار عيليت، جنوب القدس (49580 مستعمراً) الأكثر كثافة سكانية، بعدها تأتي مستوطنة معاليه أدوميم شرق القدس في المركز الثالث (39973 مستعمراً). أما في فلسطين عام 1948 فيعود الثبات النسبي لنسبة العرب إلى اليهود إلى استمرار الهجرة اليهودية إلى فلسطين، علما بأن الزيادة الطبيع
تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع