ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
في ذكرى فدوى طوقان: درج المدرسة
عادل الأسطة
10/12/2017 [ 19:37 ]
تاريخ اضافة الخبر:
فلسطين برس:في الأسابيع الماضية حاضرت في ثلاثة أماكن عن الشاعرة فدوى طوقان بمناسبة مرور مائة عام على ولادتها، ولتاريخ ولادتها ومعرفتها به قصة طريفة أوردتها في سيرتها الذاتية «رحلة جبلية...رحلة صعبة» 1985. «نؤرخ أيامنا بالفراش» كتب محمود درويش في قصيدته التي حملت العنوان السابق وأدرجها في ديوانه «ورد أقل» 1985 - يعني قديما كنا نؤرخ بالأحداث الكبرى: «سنة الزلزال» و»أيام السفر برلك» و»سنة الثلجة « وما شابه، وقد ولدت فدوى في العام الذي استشهد فيه ابن عم أمها واسمه كامل عسقلان. أرادت فدوى أن تصدر جواز سفر فطلب منها شهادة ميلاد لم تصدر أصلا وحين أرادت الشاعرة إصدار شهادة الميلاد طلب منها معرفة تاريخ ميلادها فذهبت إلى أمها وسألتها عنه. تذكرت الأم أنها كانت حاملا بابنتها في العام الذي استشهد فيه ابن عمها وطلبت من فدوى أن تقرأ التاريخ من شاهد القبر، وهو ما كان. المحاضرة الأولى التي ألقيتها كانت في جامعة النجاح تحت عنوان «فدوى طوقان والآخر اليهودي» وسوف تنشر في كتاب سيصدر عن وزارة الثقافة في السلطة الفلسطينية. المحاضرة الثانية كانت في نابلس، في مدرسة الصلاحية للبنات، وذهابي إلى المدرسة أعادني أربعين عاما إلى الوراء. يومها لم تكن المدرسة قائمة. في العام 1976 /1977 درست في المدرسة الصلاحية للذكور، وبقربها أقيمت المدرسة الثانوية للإناث، وكانت انتفاضة الطلبة في حينها في أوجها. في تلك الأيام نجوت وعشرة من زملائي المعلمين من موت محقق. احتمى الطلاب المتظاهرون بغرفة المعلمين فأمطرهم الجنود الإسرائيليون بقنابل الغاز المسيل للدموع ولما حاولنا الخروج من الغرفة انكسرت يد الباب فكدنا نختنق وأخذ قسم منا يبكي ويصرخ حتى سمع صراخنا سكرتير المدرسة أبو هاني الجمل فهب لنجدتنا وفتح الباب من الخارج ونجونا. سأروي القصة للطالبات ولكني سأقص عليهن حكاية أخرى تتعلق بفدوى وأشعارها وترتبط بتلك الفترة - العام الدراسي 1977 والمكان الذي أحاضر فيه. في سيرتها تأتي فدوى على موقف معلمات زمانها من أشعارها وموقفها هي من معلمات زمانها. كانت المعلمات يقلن: «أخوها إبراهيم يكتب لها الشعر وتنشره باسمها» ولهذا كتبت الشاعرة «زمار البلد لا يطرب». وأما هي فقد نظرت في ما كانت عليه المعلمات ورأت أنهن حققن استقلالا اقتصاديا لكنهن بقين أسيرات العادات والتقاليد وبقين أيضا أميات العقل - أي غير مثقفات. قلت للطالبات إن أهل نابلس لم يلتفتوا إلى أشعار الشاعرة وهناك دليل بين لدي. في 9/2/1977 اشتريت من المكتبة الشعبية في نابلس ثلاثة دواوين لفدوى صدرت عن دار الآداب في بيروت. هذا يعني أنه مرت على الدواوين فترة تزيد على 10 سنوات دون أن يقتنيها سكان نابلس، ما يعني عدم الاحتفال بالشاعرة حتى العام 1977 - طبعا سيختلف الأمر لاحقا. المحاضرة الثالثة التي ألقيتها عن الشاعرة كانت في مدرسة جمال عبد الناصر للبنات، وهي مدرسة كان اسمها مدرسة الكرمل - أسست في 1968 - وصار اسمها مدرسة جمال عبد الناصر، بعد وفاة الزعيم المصري الذي أقيمت له في المدينة جنازة رمزية قلما شهدت مثيلا. في الطريق إلى المدرسة التي يؤدي إليها درج توقفت مرارا أمعن النظر فيما خط على حائطي الدرج. قلت: يحتاج ما كتب على الحائطين تدوين المكتوب وتذكرت كتابا للكاتب المصري صلاح عيسى عنوانه «شهادات من أجل تاريخ زماننا» وقد صدر الكتاب في نهاية سبعينيات القرن الماضي تقريبا. يرصد صلاح عيسى ما كان يكتب على جدران المراحيض العامة في القاهرة ودلالة هذا. هل أردت أن أخطو خطو صلاح؟ تراجعت فكرة أن أحاضر عن فدوى وتقدمت فكرة أن أدون الخربشات المخربشة على الجدارين ولكن.. تأملت الكتابة وتابعت طريقي إلى المدرسة. سار على هذا الدرج عشرات الآلاف من الطالبات والسكان النابلسيين، ومن المؤكد أن الدرج أصغى إلى آلاف القصص والحكايات التي روتها الطالبات عن معلماتهن وزميلاتهن وربما عن حبهن أو عشقهن. لو يتكلم الدرج كما تكلمت الصحراء في رواية غسان كنفاني «ما تبقى لكم « 1966 لقص حكايات كثيرة. ما سبق لم يكن يهمني وأنا أمعن النظر في الدرج وما أدرج على حائطيه. ما كان يهمني هو الكتابة المدرجة ونوعيتها. الكتابة قسم منها يعود إلى عقود وقسم آخر حديث يعود إلى سنوات قريبة. ثمة كتابة قديمة عن شهداء الانتفاضة وأخرى عن الحب؛ قديمة وجديدة، والكتابة الأخيرة أوجبت كتابة تدعو إلى تحريم الكتابة السابقة وإدانة ما ورد فيها. بقايا كتابة عن شهداء ومناضلين - نحن في مرحلة مختلفة عما عرفناه في العام 2000 حتى 2007 ولم يعد للمقاومين حضور. وثمة كتابة عن الحب تخترقها إشارات وصور ورسومات وهذه كتابة تستفز بعض المحافظين الذين يدرجون بدورهم آيات من القرآن الكريم تدعو كتاب شعارات الحب والتشهير إلى الخوف من الله وعقابه، فالخوض في الأعراض حرام. وثمة آية مطبوعة طباعة مركونة في أكثر من مكان تدعو إلى تفهم معناها ومغزاها. كأنما الآية موجهة إلى أولئك المخربشين. هل أتيت على قصص حبي في تلك الفترة؟ هل تذكرت إن كانت ثمة فتاة تذكرتني وهي تصعد الدرجات وتهبطها؟ في العامين 1971 و1972 كنت منصرفا كليا إلى الدراسة. لم أشغل نفسي بالحب وبالفتيات وربما لهذا حصلت على الرابع في الضفة الغربية في الفرع الأدبي. هل كتبت فدوى طوقان في أشعارها قصائد عن الفتيات اللاتي شاركن في المظاهرات في تلك الأعوام؟ لم أقرأ على حائطي الدرج مقاطع من شعر الشاعرة ولكني أعرف أنها كتبت قصائد عن منتهى حوراني ولينا النابلسي اللتين استشهدتا في 1976 وربما كتبت أيضا عن طالبات أخريات. درج المدرسة ليس في مدينة أوروبية بالتأكيد. إنه في نابلس ولهذا يبكي ويئن ويقول: ارحموني و و..جددوني.
تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع