ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
مصدوم من ترامب؟!
هاني عوكل
08/12/2017 [ 16:03 ]
تاريخ اضافة الخبر:
ليس مستغرباً أن يعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وهو الذي ثبت عنه إتباع سياسة مختلفة تماماً عن أقرانه من الرؤساء السابقين، وتمسكه بالدعم المطلق للدولة العبرية ومناصرة صديقه بنيامين نتنياهو. ترامب قبل وصوله إلى السلطة أعلن برنامجاً انتخابياً تضمّن موقفه لجهة نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، بالإضافة إلى جملة من المواقف التي حيّرت المتابعين للشأن الأميركي، مثل الانسحاب من اتفاقية المناخ. أما لماذا فعل الرئيس الأميركي ذلك، واعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل، فينبغي الإشارة هنا إلى عدد من العوامل، أولها: أن ترامب صديق مقرب جداً من نتنياهو الذي زاره كثيراً حين كان الأول يدير شركاته الخاصة. ثانياً: قرار ترامب هذا لا ينبع من موقفه الشخصي الداعم لإسرائيل فحسب، وإنما هو قرار أميركي تتحمل مسؤوليته كافة المؤسسات الفاعلة على الأرض، بما فيها اللوبيات وفي القلب منها اليهودي، إذ إنه يشكل خلاصة عمق العلاقات الإستراتيجية بين البلدين. هنا يمكن سوق العديد من الدلائل، إذ يكفي الإشارة إلى أن الرئيس الأسبق بيل كلينتون حرد من الرئيس الراحل ياسر عرفات حينما رفض ما عرض عليه في كامب ديفيد، وسكت عن تدنيس شارون باحة المسجد الأقصى عام 2000. الرئيس الذي تلاه جورج بوش الابن الذي أعلن، أواخر حزيران 2002، مشروع حل الدولتين، وافق شارون حين كان رئيساً للوزراء آنذاك على كل سياساته الاستيطانية في القدس ومحيطها، وسكت عن جدار الفصل العنصري الذي تبنيه إسرائيل. وجاء باراك أوباما رئيساً للولايات المتحدة الأميركية، وسكت أيضاً عن كل الأفعال المشينة التي كانت تقوم بها إسرائيل، وقبل أن يخرج من الرئاسة أعطى نتنياهو هدية من العيار الثقيل، حيث قدّم حزمة مساعدات غير مسبوقة في تاريخ أميركا قدرت بحوالى 38 مليار دولار من الدعم العسكري على مدى 10 أعوام. أما ترامب فعدا أنه أراد المزاودة على من سبقوه في تقديم الدعم والإسناد لإسرائيل، فهو جزء أصيل من السياسة الأميركية التي تعتبر الدولة العبرية واحدةً من ولاياتها، ويفسر قراره هذا بشأن القدس على أنه مع إسرائيل ظالمة أو مظلومة. الرئيس الأميركي قبل أن يعلن قراره شاور عدداً من الدول ووضع أخرى في صورة موقفه، ولعل قراره يندرج ضمن سياسة تدرجية في التعامل مع ملف الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، خصوصاً أن تلميحات كانت تشير إلى ما يسمى بصفقة القرن. وفي كل الأحوال، وقبل أن يأخذ مثل هذا القرار، كان الواقع في الضفة الغربية يقول: إنه ليس هناك من مستقبل لدولة فلسطينية مستقلة، وحتى القدس جرى تهويدها طيلة الأعوام الماضية، في حين يفقد الفلسطينيون السيطرة عليها من حيث البعدين الديموغرافي والجيوسياسي. إسرائيل بعد قيامها في العام 1948 احتلت القدس الغربية مباشرةً، وبعدها بعام وتحديداً في كانون الأول 1949 أعلنت القدس عاصمة لها، ثم في حزيران 1967 احتلت القدس الشرقية وبهذا صارت كل القدس تحت السيطرة الإسرائيلية. وفي مسعى لاستفزاز المجتمع الدولي وجس نبض الموقف العربي تحديداً، أصدر الكنيست الإسرائيلي في العام 1980 قراراً يؤكد بقاء القدس موحدة وعاصمة للدولة العبرية، ومع ذلك لم يحرّك المجتمع الدولي ولا العربي ساكناً، وكل ما جرى هو رفض هذا القرار وإبقاء القدس رهينة للتفاوض بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي. هذا التلخيص التاريخي لحال القدس ربما يعتبر نسخة لما يجري حالياً، بفارق أن القدس قبل أوسلو كانت محافظة على هويتها الفلسطينية والعربية في الميزان الديموغرافي الذي كان يذهب لصالح للفلسطينيين، بينما حال القدس اليوم لا يسر صديقاً ولا عدواً. لقد كرّس الاحتلال الإسرائيلي طوال السنوات السابقة من الإحلال الاستيطاني، حتى بات العامل الديموغرافي في القدس يتفوق لصالح اليهود والمستوطنين بنسبة 70% مقابل 30% للفلسطينيين، يضاف إلى ذلك أن الاحتلال ضيّق الخناق على المقدسيين لدفعهم قسرياً إلى الرحيل عن ممتلكاتهم وأراضيهم. كل هذا جرى بحماية من الولايات المتحدة الأميركية وعلى مرأى من الإدارات المتعاقبة، وجرى أيضاً بينما المجتمع الدولي لا يعرف في القواميس السياسية سوى لغة التنديد والتعجب، إلى أن جاء شخص مثل ترامب وركب موجة التطرف وتشجّع على إعلان قرار بأن القدس عاصمة لإسرائيل. بعد ذلك يستغرب الناس وينصدم المنصدمون من أن الرئيس الأميركي تجرأ وفعل ذلك، ولا يدركون أن واشنطن لم تكن تصلح من الأساس أن تكون وسيطاً نزيهاً في عملية السلام، ويغيب عن الكثيرين أن الكونغرس الأميركي سبق وأقر في تشرين الأول 1995 قراراً يفضي بوجوب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل وضمان نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، لكن هذا القرار ألحق ببند يجيز للرؤساء تأجيله. إذن الصدمة ليست من قرار الرئيس الأميركي، لأنه لا يقدّم ولا يؤخر في إطار الاحتلال والتهويد الحقيقي للقدس، إنما الصدمة من الدول العربية التي لا تزال تجتر سياسة الاستنكار وإرسال البيانات الاستهجانية التي لا تحمل أي نوع من الدسم الذي يثير انتباه الأميركيين والإسرائيليين. إذا كان هناك من دور حقيقي وفعل يعيد مركزية القضية الفلسطينية إلى الصدارة، فإنه ينبغي أن يبدأ من الداخل الفلسطيني، بانتفاضة تستوعب كافة الفصائل وترفض الاحتلال الإسرائيلي كما ترفض كل أنواع الوساطات الأميركية، وتدعو إلى مقاطعة الأخيرة. ليس هناك ما يخسره الفلسطينيون، خصوصاً أن مجلس النواب الأميركي استبق موقف الرئيس الأميركي الداعم لإسرائيل، بإقرار مشروع قانون يقضي بتخفيض المساعدات الأميركية المقدمة سنوياً إلى السلطة الفلسطينية. لنا أن نتخيل أن ترامب أعلن قراره مساء الأربعاء الماضي، في حين يبحث مجلس الأمن الدولي في اجتماع يعقد اليوم هذا القرار، كما هو حال الاجتماع الطارئ لوزراء الخارجية العرب الذي يعقد غداً. إذا كانت هذه هي الاستجابة "الصاروخية" لموقف أميركي أحادي لا تتفق أغلب دول العالم معه، فمن الآن يمكن القول: السلام على كل المستنكرين، ومع الأسف لا يتعامل المجتمع الدولي مع القضية الفلسطينية بجدية، بدليل ما يحصل الآن. الرهان على تحرك الشعوب والتضامن العالمي مرده إلى الداخل الفلسطيني، إلى حيث يمكن لكافة القوى الحية والفاعلة أن تجتمع على قلب رجل واحد، وتدعو إلى النفير لمواجهة المخططات الإسرائيلية ورفض كل أشكال ابتلاع القدس.
تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع