ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
البشرية ليست بخير! عودة العبودية والتوحُّش البدائِيين
واسيني الأعرج
29/11/2017 [ 10:30 ]
تاريخ اضافة الخبر:
فلسطين برس: هل تغيّر العالم بالمزيد من أنسنة هذا الحيوان الأكثر افتراسا الذي اسمه الإنسان؟ حيوان يُجيد تدوين مآسي تأريخه التي تسبب فيها برغم المخ المركب الذي يملكه. فهو حيوان بذاكرة. مشكلة هذا الإنسان أنه يعيش داخل دوامة تكرار هذه المآسي، ولا يتعلّم من تأريخه وذاكرته إلا قليلا. لم يتغيّر عبر الزمن. لكنّه بالمقابل أنجز سلسلة من الخطابات التبريرية، لأنه حيوان لُغوي أيضا. وكل ما يطفو إلى السطح من علامات لتمجيد «إنسانيته» هي مجرد قشور تُعيدنا إلى الأصل الأول القاسي له الإجرامي أحيانا. الحروب والنزاعات الإثنية والدينية واللغوية والثقافية، تعيده إلى نقطة انطلاقه الأولى على هذه الأرض، وإلى اللحظة الأولى «العنف» التي تأسس حولها مشروع هذا الكائن الغريب الذي يشبه الحيوانات الأخرى في كل شيء، وعقله الذي يملكه ليس إلا وسيلته لتبرير وجوده وهيمنته. ما الفرق بين القرون الوسطى التي ذهب فيها هذا الإنسان نحو اكتشاف أمريكا، فارضا قوته العسكرية والدينية على شعوب أخرى، كانت سعيدة بنظمها وأنماطها المعيشية، فيمحو لغاتها وأديانها ويعوضها بكاثوليكية متحمسة بانتصاراتها. ثم محا شعوبا بكاملها وخلق لها قوالب حياتية عاشت وتعيش فيها بالقوة. هذا الإنسان هو نفسه الذي طور مفهوم العبودية فسخر سفنه السوداء les négriers واستعبد أفارقة كانوا سادة أدغالهم وأراضيهم، فنقلهم نحو أوروبا وأمريكا، وخلق سوقا للعبيد يُباع فيها الإنسان ويُشترى كما لو كان مجرد سلعة. واستغل قوتهم لمزارعه وبناء حضارة الإنسان الأبيض التي لا تزال إلى اليوم هي المهيمنة. ما حدث مؤخرا في ليبيا يؤكد أن هذا الإنسان لم يتعلم إلا قليلا. كم مات في الهولوكست من بشر لم يرتكبوا جرما سوى أنهم يدينون باليهودية. الصور البشرية تتبع إلى اليوم هذا الإنسان المستعبِد وتبين شروره. كيف لا يُحاكم رجل مثل بوش الذي كان واحدا من أكثر مرتكبي جرائم العصر الأكثر اتساعا مثل هتلر وأترابه، فهو لا يقل جرما عنه وعن كريستوفر كولمبوس الذي، برغم خطابات التمجيد، وجلبه المال والذهب للملكة الكاثوليكية وزوجها في إيبيريا المأزومين ماليا، لكنه مسح شعوبا كاملة من على سطح الأرض. من كان وراء أكبر عمليتي تشريد في العالم؟ الركونكيستا (الاستعادة) والحركة الصهيونية؟ وطرد الموريسكين والفلسطينيين؟ ألم يكن بوش مجرما بالمقاييس ذاتها التي طُبقت على غيره؟ أليس هو من قصف الشعب العراقي مُدمرا نسيجه الاجتماعي والديني، مُخلفا وراءه ملايين الضحايا. ما حدث ويحدث اليوم في ليبيا ليس إلا نتيجة حيّة لجرائم قبلية. لهذا وجب عدم الصمت عنها. فجأة يجد الهاربون من الفقر والجوع والحروب الأفارقة أنفسهم محجوزين في أماكن خالية. لم يتصوروها وكأننا في المزارع في القسم الجنوبي لأمريكا، رافضا خيارات لينكلن التي حررت عبيد الشمال. المشكلة ليست في الظاهرة ولكن في فكرة أن البشرية يمكنها أن تنزل إلى كل هذا الحضيض الذي لا شيء يبرره. مع أن العبودية يُفترض أنها انتهت منذ قرون، وأن البشرية لن تقبل بها وقد تخطتها بقوة وقناعة. كيف ظهرت بهذا الشكل المزري في ليبيا؟ المسؤول عن الظاهرة الأكثر بشاعة التي فضحتها شبكة س. ن. ن. أولا؛ من السهل لوم ليبيا البلد والبشر، من دون الدخول في عمق الأسباب التي تقف وراء هذه البشاعة. الحكومة الممزقة مسؤولة جزئيا، على الأقل في المناطق التي تسيطر عليها. لكن في الجوهر ما يحدث اليوم هو من مكاسب رجل بن غازي الأول، برنار هنري ليفي ومن سمحوا له بتسيير حياتهم النضالية وسرق منهم ثورتهم. مسؤولية الذين سمو أسماء أبنائهم ساركوزي تبركا به وبمستشار وقتها برنار هنري ليفي الذي وعد الشعب الليبي في بن غازي بالديمقراطية والخير العميم. ماذا بعد سقوط الديكتاتور الذي أسهموا في بنائه لمصالح نفطية، لدرجة أن قبل بيرلوسكوني، رئيس وزراء إيطاليا وقتها، يدي الديكتاتور نفسه بلا خجل. سقط القذافي وآلة نظامه الهشة، وتفكك بل وتفككت ليبيا كلها في حسابات عمياء لم تفكر حتى في الآتي. العمى الصهيوني الذي لا يخفيه برنار هنري ليفي الذي جعل من ليبيا لا شيء وأيقظ الصراعات القبلية والإثنية كلها. بلاد بلا دولة. أو ربع دولة ومجموعات مسلحة متقاتلة. ثانيا؛ أوروبا، التي خططت للتحكم في الهجرة من المصدر ومساعدة الدول المستقبلة لسيل المهاجرين، ووعدت أن تعمل على ضبط الموضوع، مسخرة بعض جهودها لحماية المهجّرين الأفارقة وغيرهم، من السقوط بين أيدي تجار البشر والقراصنة الجدد، لم تفعل شيئا على الاطلاق بنفاقية كبيرة، لتتحمل إيطاليا العبء الأكبر. وظل تدفق المهجَّرين الآتين من كل الجهات من أفريقيا التي دمرتها الحروب، حروب القتلة الآتين من كل الجهات، من الدكتاتوريات المحلية المتشبثة بالسلطة بشكل عضوي، وحروب المصالح الكبرى، من دون رقابة أو مساعدة حقيقيتين. فتطور الأمر إلى العبودية المسبوقة بالصمت على الجريمة. لا شيء يهم المجرم إلا المال بتغطية دينية أو عرقية أو غيرها. ماذا سحبت وراءها داعش منذ أن تمت فبركتها سوى الخراب والتدمير من وراء الدول التي تمركزت فيها. سوريا والعراق وليبيا وغيرها؟ نحن أمام عصر شديد الخطورة، استعماري بامتياز مدعم بترسانة الميديا التي تفرض أي خطاب تريد. ثالثا؛ هذه الأوضاع الخطيرة والحروب التي لا تنتهي، التي تلتها تمزقات شديدة الخطورة تتحمل مسؤوليتها الأولى الأنظمة القمعية، والثورات بالوكالة التي سرقت من الشعوب ثوراتها أو أشكالها الاحتجاجية، وحولتها عن نبل مساراتها. أوروبا التي استثمرت بقوة في الدم تأريخيا، فافتتحت أمريكا حفلة الرقص على الجثث، بقتل أكثر من مليون عراقي بالقصف والإعدام المنظم والاستهداف المركز للأشخاص والقيادات، وتكاثرت الضربات الصديقة التي كثيرا ما يعتذر لها رسميا، أصبحت لا تعني شيئا. فأنزلت سعر برميل النفط إلى الحضيض. أكثر من ذلك لم يمنعها سيوح الدم العربي الذي رخص إلى أقصى الحدود، لا ضميرها الإنساني بمقايضة النفط والاتجار به، الذي استولت عليه العصابات المسلحة في ليبيا، والعراق، وسوريا، على مرأى ومسمع من الطيران الأمريكي والأوروبي وأقماره الصناعية. لا يعقل أن يكون المسؤول العربي غبيا إلى هذا الحد؟ لو لم يوجد مستوردون للنفط من الموانئ المتوحشة، بالسعر البخس للبرميل، لأغلقت من تلقاء نفسها. في ظل ضمير إنساني مقتول، يمكننا أن نتوقع ما هو أفظع من العبودية التي هي خط أحمر في التعامل الإنساني. مخاطر العبودية كبيرة، لكنها لا تغطي الجرائم التي تم التستر عليها كثيرا وهي تشكل أرضية لفهم مرض العبودية وغيره.
تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع