ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
وجدانياتُ جمال الغيطاني ورسائل السرد
19/11/2017 [ 20:53 ]
تاريخ اضافة الخبر:
فلسطين برس: سنتان مرتا على رحيل الروائي المصري جمال الغيطاني (9 أيار/مايو 1945 – 18 أكتوبر/تشرين الأول 2015) ولم يَخْبُ توهجَ نصوصه الروائية العديدة التي كتبها بأدبية عالية وأمتع بها قُراءه، وجعلت منه أحد أبرز روائيينا الذين فتحُوا آفاقًا واسعة للمتخيل السردي العربي، من خلال استثمار المدونات الخبرية القديمة، وتنزيل محكياتها منازلَ مُناسبة لأغلب ما يمور في عصرنا من أسئلة فنيةً واجتماعية وسياسية، على غرار روايته «الزيني بركات». وفي روايته «رسالة في الصبابة والوجد» (دار الشروق 1990) نص عاليَ الصنعة الفنية، وذات لغةٍ وجدانية تتماهى بلغة الصوفيين، يندر أن نجد لها مثيلا في سرودنا المعاصرة، بل هي رواية في الحُب تُلخصُ ما كان منه في غابر أزمنته العربية وما سيكون. رسالة العنوان يُحيل عنوان رواية الغيطاني إلى محمولاتها السردية، ذلك أنه جمع فيه أغلب وظائف العنوان في الأعمال الأدبية التي وزعها جيرار جينات على أربعٍ هي: الوظيفـة التعيينية، والوظيفة الوصفية، والوظيفة الدلالية، والوظيفة الإغرائية. وقد جعل الغيطاني عنوانَ الرواية كثيف الدلالة حتى صار فيها «أعلى اقتصاد لغوي ممكن» (محمد فكري الجزار: العنوان وسيميوطيقا الاتصال الأدبي) قادرا على تعيين فحواها وعلى إنباء القارئ به. ذلك أن هذه الرواية ضمت مقدمة وثلاثة عشر فصلا هي: «ديباجة الظهور» و«مساق المسلسل» و«تفصيل» و«حكاية دالة» و«رجعى إلى ما انقطع» و«إفصاح» و«قربى» و«ارتقاء الكثيب» و«توق» و«مواقع الشهب» و«اندلاع اللحظة» و«نظر» و«الوجد». وقد انتظمت هذه الفصول مع بعضها بعضا وفق بنية شكلية هي من بنية الرسائل الأدبية وصميمُها. وقد مهد لها الكاتب بمقدمة بين فيها السارد لصديقه سبب كتابته هذه الرسالة، حيث بدأها بعبارة «أما بعد» وألحق بها صفةَ المرسَلِ إليه «أخي الحميم»، وأتبع ذلك بالدعاء له «أيدك البارئ الكريم بمدد من عنده»، ثم عَرَض موضوعَ الرسالة وصورته أنه لم يعد يحتمل السكوت على ما ألم به من وجد، حيث يقول: «إنني ما أقدمتُ على البوح لك أنتَ إلا بعد انقضاء مدى، وما شرعتُ إلا بعد تعاقب أحوال شتى صعبٌ عليّ كتمانها». استرجاع ما تبدد تنهض أحداث الرواية على دعامة رسالة مُطولة كتبها راوٍ إلى صديقٍ له يخبره فيها بحالة عشقية ألمت به خلال زيارته إلى آسيا الوسطى للمشاركة في مؤتمر علمي حول العناية بالمباني القديمة والحفاظ على الإرث المعماري. وأثناء هذا المؤتمر التقي بسيدة تدعى «فاليريا»، وهي مترجمة روسية من أوزبكستان ترافق أحد الوفود المشاركة، فشغف بها شغفا بلغ الصبابةَ والوجد. فكان مشغولا بها عن رفاقه في المؤتمر، يتحين فرصة لقياها، يفرح حينما يحادثها، ويغضب حينما تعود إلى غرفتها أو تنشغل عنه بالحديث مع فرد آخر، حتى حان له معها لقاء على انفراد، فاكتشف فيها خرائط فتنتها، وكشفت فيه صبه وتعلقَه بها من دون أن يبلغا معا من الحب نهايته، ويبرر ذلك بقوله: «لم أفعل، مع أني الطالب وهي المطلوب، ستقول، وفيم الإحجام؟ فيم التقاعس؟ هنا أقول لك، إفهمني، وادرك ما عندي، لم أسع إلى المنتهى، قد يبدو غريبا هذا، لكن بقدر ما رغبتُ، بقدر ما أحجمتُ، فانصهار كينونتينا لن يقدر له الدوام، ولم أكن أسعى إلى اتحاد عابر في ظرفي ذاك، لو نلتها ونالتني، ربما انتهى حومي، وربما وضع الحد لاستمرار اقترابها مني». وبعد هذا اللقاء حان موعد الافتراق، فتبادلا الهدايا وتواعدا على التراسل. ولكثافة ما فاض به من الوجد الذي سببه له صمتُ «فاليريا» وعدم تلقيه منها ردا على رسائله اليومية التي كان يكتبها لها بعد أن عاد إلى القاهرة، وجد في كتابة رسالة إلى صديقه سبيلا إلى التخفيف من ثقل همومه واسترجاع اللحظات التي عاشها مع هذه المرأة، بعد أن تقطعت السبل بينهما، مبررا ذلك بالقول: «هكذا وليت بهمي صوبك، لعلي باسترجاع ما تبدد، وروايتي لما يُخيل إليّ أنه جرى، أقف على توكيد يطمئنني، يرسخ الحجة عندي». ولترسيخ حُجته راح يشكو لصديقه أحواله التي صار إليها بعد فراق «فاليريا»، ويخبره بأن حبه لهذه المرأة ربما كان مزروعا في وجدانه قبل أن يرتحل إلى وطنها ويُلاقيها، بل لكأن حبه لها وُجد في هذا الكون قبل مجيئهما إليه، فهو لا يدري متى بدأت رؤيتُه لها، ولا متى تحقق نظره منها وتمكن، فيقول شارحا ذلك: «والله يا أخي ما من إجابة دقيقة، ما من تحديد، لو قلت لك إنها قديمة عندي، سارية داخلي منذ قدر لا أعرف تعيينه، فلا تكذبني، وإن أمرَها بدأ معي قبل مجيء موطنها هذا فلا تنح كلماتي، وإن قلت إنني ما قطعت زمني المنقضي إلا ماضيا تجاهها، وعند لحظة معينة تلاقينا فتفجر الشررُ، وانتثرت الشهب، وامتزج المبتدأ بالخبر، فلا تتكئ عليّ. وإن قلت لك إن هذا الكون بمجمله مكان لأراها فيه فلا ترمني بالشطط». بوح العاشق وعلى حَبليْ حُب «فاليريا» والافتتان بجماليةِ المعمار في طشقند وبُخارى وسمرقند، يعلق السارد مجموعة من المواجهات الفنية والحضارية، إذ تتحول رسالته إلى فضاء تُزاحم فيه لغة السرد لغةَ الشعر الصوفي، وتُعانق فيه مشْرَبيات حارات القاهرة المملوكية وثقافتها قِبابَ قصور طشقند القديمة وزخرفَها الفني، وتروم في ثناياه أشعار الغزل العربي توصيفَ جمال إناث بلدان روسيا، بل وتتحول «فاليريا» حينا إلى «ليلى» المعشوقة الممتنعة التي نلفي صورة لها في الشعر العربي الغزلي، وتتحد حينا آخر بالمكان حتى تصير منه عصارتَه التاريخية ذات المذاق العربي الإسلامي. وجلي هنا أن الرواية مثلت فضاء سرديا مخصوصا بالبوح بكل ما صار يصعب على السارد كتمانه، وقد نزع السرد صوب هذا البوحِ بوصفه طريقة في الكتابة تُمكن الكاتب من بسط ما يجيش في وجدانه من مشاعر، ويسهل عليه الإنباء بخصوصياته الشخصية، ويعرض فيه على المتلقي صورةً لحالٍ ينتقيها من بعض أحواله التي صار إليها حتى يحقق أهدافه من فعل الكتابة على حد ما مر معنا من وظائف الترسل المتصلة بذاتية السارد في الرسالة، وما يكون فيها من أمر الاعتراف، حيث نهض ضمير المتكلم فاعلا في أغلب أحداث السرد؛ فهو الذي تكفل بالإخبار عن مشاعره وعن أفعاله خلال مغامرته العِشْقية وما حف به حينها من إحساسٍ بالضياع والحيرة، وذلك على غرار قوله: «والأصعب الأدهى، انتفاء الإمكانية، أحيانا تهدئني الرؤى، غير أنها تتبدد، فلا يبقى إلا قفر المفازة، وغول الطريق، فأنثني ململما فؤادي طاويا دخائلي، خشية أن يتبدد ما تبقى، وعندما بقيت مدة مهدهدا، منهكا، مدمدما بالوجد، متخففا من شغاف الوهم، لقيتُ الحمل ثقيلا وإن لم يُرَ، والطوق محكما وإن لم يلتف، لذا أقدمتُ على التدوين إليك مع أنك قصي». كما تكفل هذا السارد بتمكين القارئ من معرفة سلوك بقية الشخصيات على غرار صديقه المصري وحبيبته فاليريا والمهندس المعماري الهندي. وهو بذلك يتماهى في وظيفته السردية داخل الرواية مع الوظيفة التي كانت للمترسل، من حيث أنه هو الذي يقود عملية الإخبار داخل الرسالة، وهو الذي يتكفل بسرد الوقائع لصديقه ناقلا له «الحادثة من صورتها الواقعية إلى صورة لغوية» (عزالدين إسماعيل: الأدب وفنونه)، فلا يكون للمرسَلِ إليه، وهو في الرواية صديق السارد، ولا للشخصيات، ومنها فاليريا، أي دخل حكائي في الرسالة إلا ما رأته منها عينُ المُرسِل/الراوي من أحوالها أو ما اتصل من أفعالها وأقوالها في خطته السردية.
تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع