ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
يوميات مسافر في باص الترحيل ...
30/08/2015 [ 17:48 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: د. محمد جودة

كثيرة هى القصص التى تروي وتوضح عمق المأساة الإنسانية التى يعيشها ابناء الشعب الفلسطيني فى غزة بسبب الحصار وإغلاق المعابر. فكم من مريض قتله المرض وهو ينتظر "فتح المعبر" والسماح له بالسفر. وكم من موظف فقد عمله بالخارج لعدم تمكنه من مغادرة القطاع والرجوع الى مكان عمله، بعد زيارة لأهله فى القطاع اضطر اليها بعد سنوات طويلة من الغربة القاسية.

 وكم من طالب فقد فرصته فى اكمال تعليمه لعدم تمكنه من الإلتحاق بمكان دراسته فى الوقت المناسب، وكم من خريج جامعى فقد ايمانه بكل شيء وهو ينتظر الحصول على فرصة عمل منذ سنوات فلا يجد، بل ويجد نفسه مضطرا لأخذ مصروفه الشخصي من والده الشيخ المتعب. وكم .. وكم .. وكم. ومن هذه القصص قصة "بشير" وهو طالب مثابر وطموح فى اوائل العشرينات من عمره يسكن فى مدينة غزة.

 تمكن بشير من الحصول على منحة لإكمال تعليمه فى "الفيزياء" فى اعرق جامعات السويد والعالم وهى جامعة لوند. دراسته تبدأ فى مطلع سبتمبر ومنذ أن ابلغ بقبوله فى الجامعة وحصوله على المنحة في فبراير الماضى وهويحاول تأمين سفره من خلال أى معبر كان دون جدوى.

 جاء الأمل بالفرج عندما أعلن عن النية لفتح المعبر يوم الإثنين 17/4/2015 ولمدة اربعة أيام، وكاد أن يطير فرحا عندما وجد اسمه فى كشف يوم الأربعاء. ظن ان الدنيا قد ابتسمت له بعد طول عبوس. ليلة السفر لم ينم .. لا بأس فقد كانت هناك فرصة للنوم فى حافلة الترحيل التى ستقله الى مطار القاهرة، والتى تستغرق رحلتها ساعات طوال يمكن له خلالها النوم كما يشاء. 

صباح الأربعاء انطلقت الحافلا ت الى المعبر، و"بشير" بين مصدق ومكذب ويظن انه سيعود الى البيت فى أي لحظة، اذ لم يدع الواقع المرير الذى عاشه منذ أن بدأ يعى ما حوله، خلال السنوات الثمانى الماضية، أى مكان للتفاؤل. كانت دهشته عظيمة حين مرت الأمور بسلام ووصل الى الجانب المصري للمعبر، وهناك أحس بأن حلمه قد اصبح اقرب الى التحقق من أى وقت مضى، وبدأت تتراءى فى مخيلته صورة الجامعة التى سيلتحق بها والتى لم يرها من قبل. لم يكن يجرؤ على تخيلها فى غزة اذ لم يكن واثقا ابدا أنه سيتمكن من السفر والإلتحاق بها يوما من الأيام.

 فى العادة يم ترحيل من لا ترغب السطات المصرية فى منحهم تأشيرات دخول الى مصر فى حافلات تسير فى موكب واحد تحت حراسة أمنية مشددة، فى وجود مندوب للسفارة الفلسطينية بالقاهرة على الحافلة نفسها. تنطلق الحافلات فى ساعات الصباح وذلك حتى تتمكن من مغادرة سيناء قبل حلول "منع التجول" والذى يمتد من ساعات المساء طوال الليل الى صباح اليوم التالي. كانت اعداد المسافرين فى المعبر المصري كبيرة، وكان ضباط الجوازات يعملون ببطء. 

حل المساء ولم يستلم "بشير" جواز سفره بعد فأدرك أنه لا نصيب له فى الترحيل الى مطار القاهرة فى ذلك اليوم، وأنه سيبيت فى المعبر لا محالة فى انتظار حافلات ترحيل اليوم التالى، فوطّن نفسه على ذلك. قبيل منتصف الليل بدأ النعاس يغالبه فقد كان يومه مرهقا، وهو لم ينم فى الليلة الماضية. وقبل أن تغمض عيناه وهو مكور على بلاط صالة المعبر الى جوار شنطة سفره، فوجئ بمن يطلب منه التوجه الى حافلة "الترحيل" والتى ستنطلق بعد قليل الى مطار القاهرة . 

طار النوم من عينيه وطار هو فرحا، فخروجه من المعبر يعنى ان أحدا لن يعيده الى قطاع غزة، وكل خطوة فى اتجاه المطار تقربه من جامعته فى "لوند". صعد "المرحلون" الى حافلتى الترحيل وكان "بشير" يجلس فى الحافلة الأولى وجلس الى جواره زميل دراسته وصديقه (ع.م.). لم يلاحظ بشير أن حافلته انطلقت دون حراسة أمنية وأنه لم يكن على متنها مندوب للسفارة الفلسطينية، ولم يهتم بالتوقيت غير المعتاد للسفر وهو منتصف الليل، أثناء سريان منع التجول، فى طريق على درجة عالية من الخطورة من الناحية الأمنية، فخبرته فى السفر قليلة، وهذه التفاصيل لا تعنيه، وكل ما يهمه كان الخروج من المعبر والوصول الى مطار القاهرة. هرب النعاس من عينيه وبدأت تداعب خياله أحلامه الوردية.

 أخيرا آن لأحلامه أن تتحقق ولن تمضى الا ساعات قبل أن يصل الى مراده. لم يمر الا دقائق قليلة على انطلاق الحافلة حين أفاق بشير من أحلامه على توقف مفاجئ للحافلة، وصوت جلبة شديدة واطلاق رصاص خارجها. كان الظلام دامسا فلم يتمكن من رؤية ما يدور فى الخارج وبدأ الخوف يتسرب الى قلبه. 

وما هى الا لحظات حتى انفتح باب الحافلة الأمامى واندفع اليها مجموعة من الرجال الملثمين المسلحين ببنادق آلية. كان المنظر مرعبا، أحس أن قلبه قد سقط الى الأسفل وبات يحس خفقاتة فى قدميه.

 احس بجفاف فى حلقه وتنميل فى ساقيه وحاول تحريكهما فلم يستطع. هل يمكن أن يكون هؤلاء المسلحون هم من رآهم على شاشة التلفاز والذين يطلق عليهم "داعش". هم يشبهونهم الى حد كبير، نفس لباسهم والثمتهم. لم يكن يعرف الفرق بين داعش وغيرها من الجماعات المسلحة التى تزدحم بها شاشات التلفاز. 

كل ما كان يعرفه عنهم أنهم يقتلون كل من يصادفونه وأنهم يتفننون فى ابتكار اساليب جديدة مرعبة للقتل. لم يفكر يوما فى الموت فقد كان الموت عنده مقترنا بالشيخوخة والمرض, وسنوات عمره الغضة كانت تغريه بمستقبل طويل متسع باتساع أحلامه وطموحه. لم يكد يفيق من ذهوله الا وانهمر الرصاص داخل الحافلة. 

اخترقت رصاصة شنطة صديقه الذي كان يجلس الى جواره والذى سقط على ارضية الحافلة مغشيا عليه. بدأ المسلحون يصرخون ويطلبون من المسافرين مغادرة الحافلة الى الخارج مع وضع ايديهم على رؤوسهم. أدرك بشير ساعتها أنه ميت لا محالة. بلغ به الرعب منتهاه، وزاد فى رعبه عدم معرفته للطريقة التى سيقتلونه بها.

 إن كانوا سيقتلونه الى جوار الحافلة فالأرجح أنهم سيطلقون عليهم النار أو ربما يذبحونهم بالسكاكين. أما ان قرروا أخذهم معهم فقد يموت مشويا فى قفص حديدي أو غريقا فى قفص مشابه أو بحبل ناسف حول رقبته. لم يكن يريد الموت حرقا أو غرقا وتمنى لو أعطوه فرصة للإختيار، ونطق بالشهادتين. مرت الثوانى ثقيلة كالسنين.

 لا يعرف كيف حملته ساقاه الى خارج الحافلة، ولم يعرف كم مضى عليه من الوقت خارجها. لم يفق على نفسه الا وهو عائد الى كرسيه فى الحافلة بعد أن خطف المسلحون اربعة من المسافرين، وانطلقوا بسرعة كبيرة لا يلوون على شئ تحت غطاء اطلاق نار كثيف. 

مرت الدقائق لم يكن بشير يحس فيها شيئا. كان ذاهلا عن كل شئ و لم يعلم كم مضى عليه من الوقت عندما بدأ يستعيد وعيه. في البداية لم يكن على يقين فى أى الدارين هو. ولما تحسس يديه وقدميه أدرك أنه عاد من الموت. أعادته الحافلة الى المعبر. كان ما زال ذاهلا عما حوله. وعندما بدأ يستفيق لم يكن على يقين ان كان ما حدث حقيقة أم أنه مجرد كابوس داهمه بسبب التعب وقلة النوم. كانت المشاعر فى البداية متبلدة وشيئا فشيئا بدأ شيئ ما يغلى فى صدره.

 يحاول الصراخ فلا يسمع صوتا وكأنما الصوت يرتد الى داخله ويغوص فى غور عميق. يريد أن يبكى فلا يجد فى عينيه دموعا، فتمنى لو كان بمقدوره أن ينفجر. فى تلك الليلة ، ليلة الخميس, لم يغمض له جفن. تذكر أنه لم ينم منذ صباح الثلاثاء ولكن أنى له النوم والمشهد المرعب الذى عاشه منذ ساعات لم يفارق مخيلته. وما زاد الطين بلة حديث من حوله باحتمال اعادتهم الى غزة فى الصباح بذريعة الأوضاع الأمنية حول المعبر فتمنى لو أن داعش قد قضت عليه على ان يعيش الى تلك اللحظة. فى الصباح (الخميس) قام ضباط الأمن المصريون بالتحقيق مع كافة "المرحلين" حول ما حدث فى الليلة الماضية وبعد ساعات انتظار ثقيله أخبروهم أنهم سينطلقون الى مطار القاهرة بعد الظهر.

 امضى ليلته مستيقظا فى المطار وما أن بزغ فجر الجمعة حتى احس ببعض الأمل فطائرته لا يفصله عنها سوى سويعات قليلة. قبل مو عد الإقلاع بقليل صدرت التعليمات لركاب الطائرة بالصعود اليها، وعلى متنها استببه الإرهاق والإعياء فاستغرق فى النوم طوال ساعات الرحلة الخم. فى مطار كوبنهاجن استقبله أخوه "حمدى" طالب الدكتوراه فى لندن. تحامل بشير على ساقيه عند نزوله من الطائرة وحتى وصوله الي صالة المغادرين وما أن رأى أخاه حمدى حتى انهار وسقط مغشيا عليه. 

افاق بعد لحظات على وجه اخيه، نظر اليه وقال اليوم ولدت من جديد. (هذه القصة حقيقية وبطلها الطالب بشير محمد جودة والذى يعانى الآن من الصدمة ويتلقى المساعدة الطبية والنفسية فى جامعة لوند) 

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع