ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
تغريدة الصباح –شيخوخة الأمكنة
16/08/2015 [ 11:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: حنان باكير

حنان باكير
ماذا تحبين بالضاحية الجنوبية؟ لماذا كلما اضعناك وجدناك هناك؟ أسئلة كثيرة من هذا القبيل توجه لي باستمرار.. فأجيبهم ضاحكة بقصة الجمل الذي سئل ذات مرة: كيف تأكل الهشيم؟ فيجيب: أتخيله عندما كان اخضر!
وبرج البراجنة هو الاسم الذي أحبه وأفضله.. وهو الاسم الذي حفظته يوم كان العشب اخضر، حقيقة لا مجازا. ولو زار أحد تلك المنطقة الآن، فسوف يحضره السؤال ذاته. منطقة لا ضير في ان تكون شعبية، او هي تحولت الى ذلك. ان ضيق الشوارع، وفوضى السيارات الراكنة الى جوانب الطرق، فتحتل الأرصفة، انعدام النظافة، فوضى عربات بيع الخضار، وزحمة الناس الخانقة.. كثيرا ما كنت افكر، لو قام كل واحد بعملية التنظيف امام دكانه، لعمت النظافة! برج البراجنة التي كانت يوما ما مصيفا لأهل بيروت، أصبحت لا تجد تكسيا يقلك من بيروت اليها!! لا شيء يدفعك للزيارة، الا لأسباب وجيهة.
برج البراجنة، وتحديدا حي المنشية هي المكان الذي عرف طفولتي. هي ذاكرتي الاولى التي عشتها وأعيها.. لم تكن هناك ابنية شاهقة، بل بيوت غارقة، وسط بساتين الليمون، والتوت والأكثر أشجار الصبار. وامام كل بيت حاكورة ورد.. البنفسج، الزنبق، الجوري، والمنثور.. لم أكن احب الزنبق، لكني الآن اعشقه لارتباطه بزمن العشب الأخضر.
العائلات البرجاوية معروفة، ولها احياؤها. حي حاطوم، وأل الحركة، وكرم رحال، وحي ناصر.. وكان للبرج ثقافته، ونمط حياته الموحد. في الايام العادية، كانت تلفتني على صغري اناقة النساء. مع استعمال المنديل الأبيض، المطرز الأطراف بالكروشيه، حيث يبدو من خلاله أجزاء من شعورهن.. وفي المآتم، يرتدين زيا شبه موحد، التنورة مع الجاكيت والحذاء الأسود. ومناديل بيضاء.
قدوم الفلسطينيين وسكنهم بين البرجاويين، لم يغير شيئا من ثقافتهم وعاداتهم، فالطبقة الميسورة من الفلسطينيين، التي استأجرت البيوت، لم تختلف عنهم في اللباس ونمط الحياة. بل انهم أجادوا الاندماج، والتماثل مع بيئتهم الجديدة، ونشأت علاقات حميمة بين الطرفين. قبل اشهر رحلت عن الدنيا، آخر صديقة برجاوية لأمي، التي ازورها في كل مرة اكون في بيروت. انها بلقيس عبيد، كان والدها صاحب سينما الرياض، وهي أول سينما في برج البراجنة.
لا أذكر انني رأيت طقوس عاشوراء، كالتي نشهدها اليوم. فهل كان لهم طقوس مختلفة؟ لا استطيع الجزم بذلك. لكن الكبار ومنهم أمي، عرفوا لأول مرة بوجود اكثر من طائفة اسلامية، ولم يكن ذلك ليعني شيئا لا للفلسطيني ولا للبرجاوي.
في أحضان طبيعة البرج، تعلمنا الكثير عن الطيور والحيوانات الاليفة وطباعها. كان صاحب الملك عباس حاطوم، يطلق ايدينا على شجرات التوت، لقطف اوراقها، في سلال كبيرة، ينقلها الى مدخل خلفي للبيت، ويفرشها على رفوف خشبية، طعاما وفراشا لديدان القز.. وعندما تتحول الى شرانق، تأتي سيارة كبيرة لنقلها!
ومع بداية الحرب عام 1975، بدأت المنطقة تتغير وتغير عاداتها.. تقتلع الأشجار وتزرع الحجارة.. فتدفق الناس على المنطقة، تطلب المزيد من الابنية، والمزيد من السيارات. ضاقت الطرقات، ومداخل البنايات الواسعة، اقتطعت اجزاء منها وتحولت الى دكاكين. نمط الملابس تغير.. لم تعد تظهر العائلات البرجاوية، تسير في الطرقات التي ألفتها وألفتك ، فلا تجد من تلقي عليه السلام!
ومع ذلك.. لا استطيع رؤية المكان الا كما عرفته في مواسم اخضراره. سلام عليك يا مرتع طفولة لن تعود.. فكلانا قد تغير!

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع