ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
مدارات - الست فرحانة
16/08/2015 [ 10:59 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: عدلي صادق

عدلي صادق
غيّب الموت الست فرحانة، عن عمر يناهز التسعين. كانت الراحلة، مديرة مديدة، لمدرسة إناث، عند الطرف الجنوبي الشرقي من مخيم خان يونس. وبالطبع لم أتعرف عليها، وإن كان اسمها منقوراً في وعينا الجمعي كناشئة وصغار، وكانت تذروه الألسن فيما يشبه التبجيل لملمح راسخ، في مشهد يتشكل وينمو: مدارس، حاووز ماء، الطُعمة التي تقدم وجبات طعام، ذات مذاق استثنائي وهي تابعة لـ"الاونروا"، وهَنْغران للتموين، يتمتع اسماهما الحزينان، بالإنجليزية، بتلقائية النطق البهيج عند العامة، لأنهما يوزعان الدقيق والسمن وبعض الجبن ومسحوق الحليب، وفي متفرقات أخرى، يوزعان ألبسة وأحذية قديمة كالجديدة، كان بعضها يذهب الى السوق، ويتخذ له اسماً شديد الاختصار، وهو البالة.
كانت العلاقة حميمة بين وعينا كناشئة وصغار، بالأسماء. فلكل شيء اسمه الدارج، وإن لم يكن له اسم، تخترع له ذهنية الفلسطيني اسماً. لذا لم يتقبل اللاجئون أسماء مرقمة أو مشفرّة، أطلقتها وكالة الغوث على مدارسها. فهذه مدرسة الحوراني، لأن مديرها هو عبد الله الحوراني (أبو منيف) وهو، بعدئذٍ، السياسي والمفكر القومي وعضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، والأهم من ذلك بالنسبة لي، أنه الصديق العزيز في السنوات الأخيرة، وقد آلمني أن آخر ما نطق به قبل أن يُسلم الروح في عمّان، هو سؤال اختنا العزيزة أم منيف عني شخصياً. 
هذه مدرسة الست حياة للإناث أيضاً، ومديرتها المرحومة العصامية الرصينة، حياة أبو ضبة، التي نذرت حياتها للتعليم فيما زوجها وأب ابنتها الوحيدة غائب.
الست فرحانة والست حياة، كانتا سيدتين شهيرتين بملمح واحد، وهو أنهما مديرتا مدرستين. فلا ملامح أخرى لأي منهما، معلومة للصغير الذي كُنته. ربما الأقربون للست فرحانة، يعرفونها تماماً. فهي من عائلة كبيرة في البلد. أما الست حياة، فهي من يافا، ووحيدة عائلياً في خان يونس، سكنت في الدور الرابع من العمارة الأبرز في وسط المدينة، قبالة نُصب الجندي المجهول الذي أزالته حماس. لم تُشاهد الست حياة في أية نقطة، خارج الخط المستقيم، بين مدرستها وبيتها. فمن ذا الذي يعرف أين تتسوق الست حياة، وكيف تضحك وماذا تقول خارج العمل، وهل تأكل هي وابنتها تهاني، مثلنا عدساً وحمصيصاً ودميسة، وتدور مثلنا مع دورة تخليق الأطباق من البقوليات والنبات، وتطحن السردين لزوم الكفتة المحببة، ولا تنسى الكُرش والكوارع في المناسبات؛ أم إنهما تأكلان أشياء غريبة لا نعرفها؟!
في محاولة لأن نتقصى أسباب هيبة وترفع السيدتين في ذلك المشهد؛ ربما نبدأ بالقول إن هيبتهما انبثقتا عن هيبة التعليم وأهميته، وأن نزيد فنتخيل أن ذلك بسبب أن السيدتين الصارمتين، كانتا قائمتين على تنشئة البنات، بمحددات قيمية رفيعة، في زمن كان للمعلم والمعلمة فيه، كل حقوقهما المقررة في قصيدة أحمد شوقي: قم للمعلم وفِه التبجيلا.. كاد المُعلم أن يكون رسولا/ لأعْلمتَ أشرفَ أو أجلَّ.. من الذي يبني ويُنشيءُ أنفساً وعقولا!
لم أكن أعلم عندما عدت الى منزل أهلي بعد أوسلو بأربع سنوات، أن الست فرحانة لا زالت على قيد الحياة. ظننتها رحلت الى دار الأبدية مع رحيل الست حياة. لو كنت علمت، لسعيت الى زيارتها، بحكم شغفي بالتقصي وبأخذ ما تيسر من المعرفة بتفصيلات كل ملمح من المشهد. لكنني في يوم رحيلها، عرفت الاسم الكامل للست فرحانة فالح محمد المصري. فهذه الفاضلة، هي التي أغبطنها المعلمات السابقات واللاحقات، لأن اسمها صار هو اسم مدرستها بلا قرار من أية إدارة. لقد استحقت في منتصف الستينيات، وساماً من أحمد الشقيري. وللإيضاح اللغوي، عندما يغبط المرء فلاناً، فإنه يحس نحوه بنوع من الحَسد الحميد، أو الحَسد بمحبة. رحم الله الست فرحانة، وأسكنها فسيح الجنان! 

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع