ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
"ثمن الجنس": مغامرة صحفيّة خطيرة لغرض نبيل
28/06/2015 [ 10:42 ]
تاريخ اضافة الخبر:

فلسطين برس.

أتساءل أحيانًا إن كنت سأخوض هذه المغامرة مجددا، هذا ما يضحك في الحياة، الخبرات تأتي بشكل عشوائي ومتقطع، ويأخذ الأمر سنوات إلى أن تتشكل القصة.

لم أكن عازمة على قضاء أكثر من سنة في تغطية عمليات الإتجار بالبشر، ولكن الأمر أخذ مني سنوات عشر، كنت أود في البداية أن أركز في عملي على دولتين وحسب، ولكني وجدت نفسي الآن وقد تناولت تسعة بلدان.

كانت أمي قبل أسفاري تسألني وتقول: "لقد عانينا سنوات طوالًا حتى خرجنا من حالة الفقر، لمَ تصرين على الرجوع إليه؟"، فأجلس في مطبخها برهة وأجد أن الجواب الوحيد الذي أملكه هو أنه مألوف، مألوف جدًا.

بوسعي أن أقول الشيء ذاته عن دول البلقان، فكلما حطت الطائرة في بلد منها، أشعر أنني في بلدي، فحين كنت أذهب إلى تركيا أو اليونان أو ألبانيا أو بلغاريا (مسقط رأسي) أو مقدونيا لم أكن أشعر بأني غريبة، إذ كنت أفهم ثقافة هذه البلدان، سُبلها القاسية وفكاهتها السوداء، إلا أن هنالك أمرًا لم أحسن فهمه، ما الذي دهانا؟ كيف بتنا نبيع بناتنا؟ كيف صرنا ننتفع من الخداع والعنف؟

كنت في بداية أمري مصورة صحفية، كنت أرى العالم عبر الكاميرا، وكنت أرغب في العودة والعثور على بعض الفتيات اللواتي نجون من المهربين والقوادين وهربن من بين أيديهم.

كنت أعرف فكرة العار التي تعشش في ثقافتنا، وأدرك أن البنت بمجرد إجبارها مرة على البغاء فإنها لن تتمكن من العودة وأن تظن أن أهلها في القرية سيتفهمون مصابها، كانت ستجد العار والخزي والإهمال حتى من أقرب ذويها.

"إذا سنحت لي الفرصة لمنع كل ذلك، أو لوقف أي شخص من الوصول إلى ما وصلت إليه، فقط لو أستطيع، لساعدت بكل وسيلة ممكنة، يجب فقط ألا تكونين رعناء وألا تتصرفي بلا تفكير، هناك لحظات قد ترغبين فيها بالهروب من المنزل، أو حتى أن تقتلين نفسك، هذا يحدث مع الجميع، وحتى مع الكثيرين هو أسوأ مما يحدث معك، لكن بخطوة واحدة في الاتجاه الخطأ، قد تعانين لبقية حياتك"، فيكا، تم تهريبها إلى دبي عندما كانت في الـ 19، مولدوفا 2004.

الانهيار!

لم يكن من السهل العثور على امرأة ناجية من هذه الظروف، ذهبت إلى بعض الملاجئ والتقيت بمحامين وناشطين اجتماعيين، وحين تمكنت أخيرًا من الجلوس مع إحدى الفتيات الناجيات وأخرجت كاميرتي ألفيت في عينيها رعبًا لا يمكن وصفه، ظننت أنها خائفة من أن تظهر صورتها وتنتشر فيعرفها أولئك الذين هربت منهم، إلا أن الأمر ليس كذلك.

لقد كانت هذه الكاميرا تذكر هؤلاء الفتيات بالتجربة المريرة للإتجار بهن، فقد كن عادة يخضعن للتصوير من قِبل القوادين خلال مرحلة تعرف باسم "التدمير"، وهي أيام أو أسابيع من التعذيب والاغتصاب التي تهدف إلى كسر روح الضحية ومقاومتها، وبعضهن خضعن للتصوير بالفيديو أثناء عمليات اغتصاب جماعي، وكانت هذه طريقة فعّالة للسيطرة على الضحايا، "إن فكرت بالهرب منا فإن لدينا الصور ولدينا الدليل، نعرف أين تسكنين، وسنرسل هذه الصور لوالدك وأمك".

أدركت حينها أن الكاميرا لن تنفعني في عملي هذا، فقد كنت أحتاج إلى الوقت والثقة، ففي بعض الحالات احتجت إلى أشهر وأحيانًا إلى سنوات؛ أخرجت دفتر ملاحظات وبدأت أستمع إلى حكاياتهن، عدت إليهن كلما أمكن، ومع الوقت بدأت بفهم حقيقة تجارة البغاء ومحركاتها: الفقر المدقع والطلب المستمر والفساد.

إن إظهار وجود هؤلاء الفتيات ليس وحده الدليل على شجاعتهن وقوتهن، ولكن الجانب الضائع من القصة هو ما يجري لهن عند بيعهن في الدول حيث كن يؤخذن كعاملات بغاء.

قررت أن أتبع رحلتهن حيث ذهبت إلى بعض أحياء البغاء وبيوت الدعارة في إسطنبول وأثينا ودبي وبراغ وغيرها.

ناتاشا وشقيقتها الصغرى تم تهريبهما إلى تركيا، "سيدتي في إسطنبول كانت تهبنا مقابل الدواء وزوج من الأحذية الرياضية، كان الزبائن أحيانًا قذرين تملأهم رائحة العرق، لم يكن لدينا خيار آخر". مولدوفا 2005

الشرّ في الباب المجاور!

كان الأمر خطيرًا، ولكني واجهت مشكلة إضافية، إذ لم يكن باستطاعتي أن أتصرف كزبون كما فعل بعض زملائي من المحققين الصحفيين في مثل هذه القضايا، كما لم أمتلك الميزانية التي تتيح لي أن أجري عملية تحقيق صحفي أكثر تعقيدًا، كان عليّ أن أكون واحدةً منهن وأن أضع خطة تتيح لي أن أدخل إلى دائرتهن، وأن أدخل بكاميرا سرية وأسجل ما كنت أراه.

يمكن للشر أن يختفي وراء الاعتياد عليه، تخيل معي: إحدى الشقق في أحد الأحياء البسيطة في إسطنبول وبسطة فواكه في الجوار، حيث يعيش في الشقة رجل وزوجته مع اثنين من الأطفال ولديهم غرفة إضافية مغلقة دائمًا.

يطرق بعض الرجال الباب خلال النهار، وتكون الحركة في أشدها وقت الغداء، يفتح الزوج باب الغرفة ويقف في الخارج ثم يرافق الرجال إلى باب العمارة بعد الانتهاء، يجمع منهم المال ويطلب منهم أن يزوروه مجددًا، تكون الزوجة في تلك الأثناء وأطفالها منشغلين بعمل البيت الروتيني فتغسل الأطباق أو تشاهد التلفاز.

أما هذه الغرفة فمحبوس فيها ثلاث فتيات تم تهريبهن من مولودوفا، وعلى الأرض بعض البطانيات القذرة ينمن عليها، يلبسن قمصانًا وملابس داخلية أما النافذة فمغلقة تمامًا، لا فرصة للاستحمام لأيام عديدة، يدخل الزبون الغرفة، يختار البنت، ويكون الدفع بالدقيقة، أما من لم يقع عليهما الاختيار، فتجلسان في الزاوية إلى أن ينتهي الزبون، تواجهان الجدار عادة، لكنهما لا تبكيان الآن.

إحدى البنات تبحث عن شيء حاد لتقطع نفسها من المعصم وتموت إلا أنها لا تجد شيئًا في الغرفة، تفكر في سرقة شيئًا من زبون حين يأتي، سكين مثلًا، ولكن أنى لها أن تمد يدها إلى جيبه! مرة في اليوم يفتح الرجل، الزوج والأب، ذلك الباب، ويرمي بعض حبات الموز في الغرفة، ثم يغلق الباب بسرعة، لا تمثل له هؤلاء الفتيات شيئًا سوى حيوانات قذرة.

أوليسيا، امرأة مولدوفية في الحادية والعشرين من عمرها، تم تهريبها إلى تركيا، بعد 6 أشهر عادت مرة أخرى بالتهريب إلى مولدوفا، لم تستطع أن تروي لأمها حقيقة أنها بيعت من أجل الجنس في تركيا، عادت إلى منزلها بينما كانت حاملاً، وأجرت الإجهاض في عيادة محلية، تقول"إذا اكتشفت أمي ما حدث حقًا فستموت!"، مولدوفا، 2004

النساء يبعن النساء أيضًا

بعد أن أطلقنا الفيلم الوثائقي "ثمن الجنس" سافرت مع الفيلم لسنتين وتكلمت مع الناس من مختلف أنحاء العالم، ومع نهاية السنتين عددت المدن والمحافل التي تكلمت فيها فكانت 67، لقد كانت الأسئلة متشابهة نوعًا ما: كيف أثر هذا العمل عليك؟ ألا تعتقدين أن الرجال هم السبب لاستمرار هذا الأمر؟ ما الحل؟ هل تعتقدين أن إنتاج فيلم حول قضية بهذا التعقيد أمر كاف؟

نعم، لقد غيرني هذا العمل على هذا الفيلم، لقد رأيت أسوأ ما يمكن للبشر القيام به، لقد أمضيت الكثير في حضرة الحزن الذي لا نهاية له، إنه أشبه ببئر لا قعر لها فيها ماء أكثر سوادًا من الليل الحالك، إنه مكان لا فرصة لك للعودة منه بلا أذى، بمجرد دخولك ذلك العالم تجده يستهلكك ويقضم أحلامك، والصورة تكون أكثر ما تكون وضوحًا أثناء الليل.

لا، ليس الرجال هم السبب الوحيد لاستمرار تجارة البغاء وتهريب الفتيات للجنس في العالم، فكثير من النساء يقفن لا يحركن ساكنًا، النساء يبعن النساء، والنساء يخدعن النساء.

أي شخص يعمد إلى تبسيط القضية لا يساعد في حلها، إن الأمر قائم على الربح، لا علاقة للأمر بحياة الإنسان وقيمتها، ليس هذا أصلًا موضع نقاش أو اهتمام، قد يتطلب الأمر أن تمضي بعض الوقت حول القوادين والمتاجرين بالبشر لتعرف كيف ينظرون إلى المرأة التي تباع وتشترى، فهي ليست أكثر من حيوان أو شحنة بضاعة أو سلعة للاستخدام وإعادة البيع أكبر قدر من المرات.

فإن أساءت إحداهن التصرف أو مرضت أو تأخرت في أداء ما هو مطلوب منها، فتكون عرضة للضرب أو القتل أو يلقى بها في البحر أو تدفن أو تلقى من مكان مرتفع، ثم تحل مكانها فتاة أخرى، أما إن جرحت نفسها كثيرًا محاولةً الانتحار فيجري بيعها لبيت بغاء يحبون فيه البنت التي تظهر عليها الندوب.

هنالك سوق لكل صنف، حامل؟ قد يكون هذا أفضل، بل يمكن أن يضاعف السعر في دبي، فهنالك زبائن يحبون الفتيات الحوامل، هنالك زبائن يبحثون عن فتيات مسجونات ومجبورات على ممارسة البغاء، وأعرف ذلك لأنني رأيت هذا بأم عيني؛ إحدى الفتيات كشفت يومًا عن صدرها أمامي وقالت: صوري! وكان صدرها مليئًا بآثار حروق السجائر، أخبرتني بأنهم كانوا يستخدمونها كمنفضة سجائر، لم أتمكن من التقاط الصورة، أخبرتها بأن تزرر قميصها، وجلسنا بعدها صامتتين.

"كان عمري 18 سنة عندما تم بيعي من قِبل امرأة في قريتي"، تقول كاتيا التي تم تهريبها إلى تركيا، "كنت عذراء، وكنت أشعر بالخجل لذلك، لا أستطيع النظر إلى عيني أمي". مولدوفا، 2005

عملي هو سلاحي الوحيد

رغم أني حصلت على جائزة للشجاعة الصحفية من مركز لينكولن في نيويورك، إلا أنه كان أجدر بهم أن يمنحوني جائزة للغضب، لا أجد أي شجاعة فيما قمت به، سلاحي الوحيد هو عملي، والطريقة الوحيدة التي أمتلكها للبحث عن العدالة هو من خلال إعداد التقارير وصناعة الأفلام، كل ما عرفته عن التجارة بالبشر لأغراض البغاء صار جزءًا من الوثائقي "ثمن الجنس"، لقد استُخدِم هذا الفيلم الوثائقي من قِبل شرطة مكافحة الفساد في صربيا حتى قبل إطلاقه، ثم طلبت وزارة الداخلية الأمريكية استخدامه بعد عدة أشهر كأداة تدريبية في السفارات حول العالم، ثم دعيت من قِبل مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة لمناقشة الممارسات الهادفة لمكافحة الفساد، وأخيرًا، وبعد عدة سنوات من عرض الفيلم في المهرجانات والجامعات والشاشات حول العالم تمكنت من الوصول إلى المشاهدين في تركيا.

فتاة تخشى مصير أختها التي غادرت إلى تركيا قبل ثلاث سنوات قبل أن يتم التقاط هذه الصورة، لم تسمع منها العائلة أي شيء منذ ذلك الحين سوى مرة واحدة من خلال رسالة كتبتها وأرسلتها إلى قريتها، لا يعرف والداها إذا كانت لا تزال على قيد الحياة، سافرت إلى تركيا، واستطعت الوصول إليها، كانت قد تم الإتجار بها من أجل الجنس في إسطنبول، لكن عميلاً ساعدها على الهروب، تزوجها لاحقًا ولديهم طفل الآن، في اليوم الذي وجدتها فيه اتصلت بوالديها لتخبرهم أنها لا تزال على قيد الحياة، لكنها لا تستطيع العودة إلى بلادها حيث سرق القوادون زواج سفرها، لا تزال تعيش في تركيا كمهاجرة غير شرعية، ونادرًا ما تغادر المنزل خوفًا من أن يتم ترحيلها وفقدان حضانة ابنها. مولدوفا 2004 ميمي شكاروف.

تواصلت معي قناة سي إن إن التركية وأجروا معي مقابلة حول العمل الذي أجريته في إسطنبول، كما نشرت واحدة من أهم الصحف التركية تقريرًا موسعًا عن الفيلم وعن النساء اللواتي تم بيعهنّ لأغراض البغاء في إسطنبول، أفكّر أحيانًا وأسأل نفسي إن كنت سأقوم بهذه المهمة لو دار بي الزمن وأخاطر بنفسي لأعرف كل هذا الذي أعرفه الآن؟ أن أتنكر على أني عاهرة وأدخل دور الدعارة لأعثر على بعض المعلومات دون أن أبدي أي خوف أمام الآخرين؟

أوليسيا تواسي صديقتها التي تم الإتجار بها كذلك في تركيا، التقيا في الملجأ السري للنساء في مولدوفا، "عادة ما يعتبرن أنفسهن شيئًا قذرًا، ومن الصعب جدًا عليهن أن ينظرن إلى الجسد والروح كشيء واحد لا كشيئين منفصلين"، كما تقول طبيبتهن النفسية ليليا جورجيج، وتضيف "إنهن يعتبرن أنفسهن بأجساد قذرة وأرواح نقية تريد الهرب، إنهن لا يستطعن توحيد الاثنين معًا". مولدوفا، 2004.

أعتقد أنني سأفعل ذلك لو أدركت أن الأثر سيكون كبيرًا كما هو الآن بعد عرض الفيلم وانتشاره، فهنالك الملايين ممن شاهدوا الفيلم، مما ساعد في تغيير المفاهيم والتصورات لدى الكثيرين، وقد صار أمام الشباب الآن أداة يتعلمون ويستفيدون منها، ولكن الجزء المجنون مني يقول نعم، سأقوم بها حتى لو شاهد الفيلم عشرون شخصًا فقط، وذلك لأني لا أستطيع أن أخذل كل الفتيات اللواتي منحنني الثقة لأكتب قصصهن وأن أقوم بشيء نافع بها، لا أستطيع أن أخيب أملهن.

المصدر: ميمي شكاروفا- الجزيرة الانجليزية

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع