ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
عن الذين كتبوا سجنهم
08/03/2014 [ 07:26 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: عدلي صادق

رغم ضجري من تكرار الموضوعات، إلا أنني لم أستطع مقاومة إلحاح نفسي عليّ، بأن تكون هذه السطور، معطوفة على مقالة يوم السبت المنصرم في هذه الزاوية "عن سجننا الذي لم نكتبه". فلديّ رغبة في التنويه، الى أن إخوتنا السوريين، من كل الأطياف، كتبوا سجنهم على النحو الذي أراه وافياً كافياً، لكنهم يرونه ناقصاً لم يُغطِ هول ما حدث لهم. فمنذ أشهر، بدأت أطالع ما كتبوا، فتعجبت من جهلي، رغم أنني ممن لا يكفون عن هجاء النظام المحظوط الذي انتهك انسانيتهم في الأعماق. وأقول إنه محظوط، لأن الأصوات التي تحنو عليه الآن، معظمها من ضحاياه أو من المعسكرات الفكرية والسياسية التي أباد وجودها، بكل وحشية، على الصعيدين الشخصي ـ الاجتماعي ـ والتنظيمي. وقد أعجبت بلغة بعض المظلومين الذين كتبوا، وقدرت موضوعيتهم. فهذا ياسين الحاج صالح، يكتب "بالخلاص، يا شباب" والعنوان مستعار من عبارة كان يقولها السجناء لبعضهم البعض كلما انتهوا من تناول طعامهم، ومعناها لتكن وجبتنا القادمة، وقد تخلصنا من محنتنا. أما الموضوعية التي استحقت احترامي، فلأن طالب الطب في جامعة حلب، وهو اليساري الذي سُجن ستة عشر عاماً لمجرد انتمائه السياسي، منها تسع سنوات قبل أن يمثل أمام أية جهة تتشبه بالقضاء، يُقدم لروايته قائلاً في ختام الفصل الأول، إنه يود استعادة خاطر ألح عليه وهو في "هذا المُقام المخيف". فالسجن لا يجوز هدمه أو تركه يتهدم. فـ "لمَ لا نقلبه متحفاً لأدوات التعذيب، ونشيّد فيه نُصباً يُكرّم عذابات ضحاياه، ويعلن أننا لن ننساهم، ونسمي هذا النصب، نُصب التوبة. توبتنا جميعاً". وعلى الرغم من ذلك يستطرد قائلاً:"هذا جزء من عملية أوسع، سياسية وثقافية وقانونية وانسانية، تهدف الى ضمان تسامي السوريين عن أية دوافع ثأرية ممكنة. فلا بد من قطع الدائرة الجهنمية لتبادل مواقع القاتلين والمقتولين. فالضحية الدائمة لهذه الدائرة، هي الجميع وبلد الجميع"!

كتب ياسين الحاج صالح، داعياً الى رفق الانسان بالانسان. ذلك على الرغم من عرضه الموضوعي لوقائع سجن تدمر المرعبة، التي كان ضحاياها، في معظمهم، اسلاميين وبعثيين موالين للحزب في العراق. ففي "تدمر" لا يكف السجانون عن التعذيب على مدار أيام السنة الـ 365 ولأعوام ممتدة، لا يشكل فيها موت السجين حدثاً. في عرضه ذاك، يفسر الشيوعي الحاج صالح، حقد الاسلاميين على النظام. لكنه يستنكر روح الانتقام، مثلما استنكرناها في تعليقاتنا على فظائع اقترفها فريق من هؤلاء!

الصحفي والشاعر السوري اليساري فرج بيرقدار، كتب عن تجربة السجن "خيانات اللغة والصمت" وقال "سيرشحنا المستقبل كأصحاب أكبر تراث عالمي في السجون. إن العودة الى هذه التجربة، وسبر أغوارها، إنما هو تذكير لنا بأن هذه الثورة كان يجب أن تحدث".

وفي رواية "القوقعة" التي نشرها الكاتب المسيحي مصطفى خليفة، الذي نُقلت على لسانه، في تقرير كيدي، نكتة قالها لأصحابه في مقهى باريسي، سُجن بسببها في "تدمر" المخصص لجماعة "الاخوان" ثلاثة عشر عاماً دون أن يتنبه أحد أو يُعنى أحد بالتدقيق في منبته الديني، لأن اسمه، مصطفى، وهو غير دارج عند إخوتنا المسيحيين.

الفلسطيني "الاخواني" فعلاً، محمد سليم، الذي كان طالباً في جامعة دمشق، كتب من قلب التجربة "شاهد ومشهود". والأطرف، هو كتاب البراء السراج، الطبيب الحموي البروفيسور في زراعة الأعضاء، الذي كتب "من تدمر الى هارفارد.. رحلة سجين عديم الرأي".

خرج البراء من السجن عالي الهمة، وهو يُدرّس الآن في أهم جامعات شيكاغو. وكَتَبَتْ "الاخوانية" هبة الدباغ "خمس دقائق وحسب.. تسع سنوات في سجون سوريا". كذلك فعلت الشيوعية حسيبة عبد الرحمن "الشرنقة" وروزا ياسين حسن "نيغاتيف" والفلسطينية مي الحافظ التي أمضت في السجن ثلاث سنوات بسبب تواجدها في مكان اعتقال امرأة أخرى.

وأضاف القاص السوري ابراهيم صموئيل "رائحة الخطو الثقيل". أما عميد السجناء في سوريا عماد شيحا (ثلاثون عاماً في السجن بالتمام والكمال، منها 16 في تدمر) فقد أبدع في رسم واقع السجن في روايته التحفة "موت مُشتهى..فصول في تحولات رباب عبد الجبار".

وكتب "الاخواني" محمد عادل الفارس "لأنهم قالوا لا". واللبناني علي أبو دهن "عائد من جهنم". لقد اطلعت على هذه الروايات، وما زلت أبحث عن أخرى قرأت ملخصات لها، وهي نحو أربعين رواية تفسر ما عجزت السياسة عن فهمه. فمن لا يعرف كيف اصطخب المجتمع وتوجع، ليس في وسعه أن يقرأ وقائع ما يجري. إن بعضنا يتعاطى السياسة ووقائع الصراعات، وكأنها شرائط رسوم متحركة، ليس فيها وقائع حياة ولا نبضات قلوب، ولا علاقة لها بالتاريخ. يختزلون كل حكاية، وفق منطوق شعار أو ديماغوجيا كاذبة. إن السوريين قد كتبوا سجنهم!

adlishaban@hotmail.com

 

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع