ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
أوروبا التي تتغير: هل يكفي
23/12/2013 [ 07:16 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: د. عاطف أبو سيف

قرار الاتحاد الأوروبي الأخير الذي أثار أزمة دبلوماسية بين إسرائيل وبروكسل بشأن شمل المستوطنات ضمن المناطق الإسرائيلية التي تتمتع بالمزايا التي تحظى بها إسرائيل ضمن اتفاقياتها المختلفة مع الاتحاد الأوروبي، يشكل خطوة مهمة تجاه تعزيز مكانة مناطق الدولة الفلسطينية التي اعترف بها المجتمع الدولي العام الماضي 2012، والتي يجب العمل أكثر من اجل تثبيت حالة الإقرار الأممي بوضعية هذه المناطق. حيث يصار إلى نقل النقاش من كون هذه المناطق مناطق محتلة إلى كونها مناطق دولة عضو في الأمم المتحدة، يتم بموجب ذلك معاقبة الدولة التي تحتلها.

وعليه فإن الخطوة الأوروبية على أهميتها ليست كافية، حيث إن أوروبا التي تتحمل مسؤولية خلق الأزمة الفلسطينية سواء من وعد بلفور مروراً بقرار التقسيم والدعم المالي المهول الذي حظي به المستعمرون في هجرتهم إلى فلسطين منذ مطالع القرن الماضي، انتهاء بالمعاملات التفضيلية التي حظيت بها إسرائيل ضمن اتفاقياتها مع الاتحاد الأوروبي منذ نهايات ستينيات القرن العشرين، والتي لم تحظ دولة غير عضو بها، كل ذلك يتطلب مسؤولية أكبر في تصويب الخطأ الكبير الذي ارتكبته أوروبا بحق الشعب الفلسطيني.

خطأ لا يمكن لكل الكرة الأرضية ولا كل الإجراءات العدلية أن تصوبه، حيث أنه مس حق الشعب الفلسطيني بأرض آبائه وأجداده، ونتج عنه تشتيت الشعب الفلسطيني وتمزيقه وتدمير مدنه وقراه التي بناها الكنعانيون الأوائل، قبل أن تدخل أوروبا الوعي البشري كقارة.

بيد أن العدل المطلق، وإن تعذر تحقيقه، فإن أقل العدل مطلوب، وعلى أوروبا تقع مسؤولية "فرض" أقل العدل هذا. لا تبدو مسؤوليات الولايات المتحدة على فظاعة تدخلاتها وبشاعة إنكارها للحقوق الفلسطينية ومساندتها الخشنة لإسرائيل، بمستوى مسؤوليات أوروبا نفسه، التي كان لها دور كبير في صناعة الأزمة الفلسطينية.

أوروبا طرف أساس في الأزمة، وهي سبب من أسبابها، وتاريخها المعاصر جزء من دوافع تعجيل الأزمة الفلسطينية وفرضها بقوة على شعب أعزل اقتلع من أرضه، وأريد له أن يصبح مثل الهنود الحمر مجرد احتفال اعتذاري يوم الشكر. لكن إرادة الشعب الفلسطيني وثورته المعاصرة وحكمة قادته حمته من هذا المصير المؤلم.

قرار الاتحاد الأوروبي الذي نجح في فرضه على إسرائيل في اتفاقية التعاون الجديد المعروفة باتفاقية هوريزون 2020 حول التعاون العلمي، حيث قام الاتحاد بتثبيت موقفه من أن المؤسسات البحثية العاملة في المستوطنات لن تتلقى أي تمويل ضمن مشاريع التعاون مع الاتحاد الأوروبي، لم يكن إلا نتيجة تراكمية لجملة من التطورات الكبيرة التي بدأت منذ إعلان البندقية العام 1980، حين أقر ممثلو الدول الأعضاء بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وبأن منظمة التحرير هي الجهة التي يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار حين الحديث عن تمثيل الشعب الفلسطيني في أي تسوية مستقبلية.

وبعد ذلك وعبر مواقف متتابعة وصل الاتحاد إلى ما عرف بإعلان برلين العام 1999، الذي اعترف به لأول مرة بأن ترجمة الحقوق الوطنية الفلسطينية تعني حق الشعب الفلسطيني في دولة مستقلة، دون أن يذهب إلى حق الشعب الفلسطيني في ترجمة هذا الحق وحده إلا عبر اتفاقية سلام مع إسرائيل، وهو موقف جاء لتهدئة مطالب الرئيس الراحل ياسر عرفات بإعلان الدولة من طرف واحد العام 1999 بعد انتهاء الفترة الانتقالية التي كانت مدتها خمس سنوات (1994-1999) في أيار من ذلك العام.

ومع تواصل دور الاتحاد في المنطقة خاصة بعد تطوير ما يعرف في أدبيات التكامل الأوروبي بالسياسات الخارجية والأمنية الموحدة بعد توقيع اتفاقيات ماسترخيت وانتهاء باتفاقية لشبونة، واصل الاتحاد على حضوره في محاولات رأب الصدع بين الطرفين.

غير أن تلك الفترة شهدت تقدماً مهما للعلاقات الإسرائيلية الأوروبية في المجالات غير السياسية خاصة الاقتصادية والعلمية والأمنية. وقمت في موضع آخر في كتابي (إسرائيل والاتحاد الأوروبي: الشراكة الناعمة، الصادر عن "مدار" 2011) بتفصيل أوجه تلك العلاقات ضمن ما أسميته بفصل المسارات، حيث تطورت العلاقات الأمنية والتجارية والعلمية بشكل ينتهك حقوق الشعب الفلسطيني وأمنه في ظل تبني الاتحاد الأوروبي لمواقف سياسية اتهمتها إسرائيل بالقريبة من الفلسطينيين.

لقد كانت المشاريع البحثية المستخدمة لغايات مزدوجة وممولة بالدعم الأوروبي تستخدم نتائجها لقتل الفلسطينيين واجتياح مناطقه. وكأن الاتحاد الأوروبي كان يقايض مواقفه السياسية بجزرات كبيرة لإسرائيل. إن هذا النفاق السياسي شكل تهديداً للأخلاق التي يقول الساسة والمنظرون الأوروبيون إنها تقف خلف مشروعهم التكاملي، وتنتهك القيم الكبرى التي تقف خلف دعائم الوحدة الأوروبية.

لماذا يبدو هذا الكلام مهماً في هذا السياق؟

حتى لا نقلل من قيمة ما تم إنجازه رغم كل شيء. فالموقف الأوروبي موقف متقدم ويجب أن يصار إلى تعميمه على كل الدول والمجموعات والتكتلات الإقليمية، حيث إن على المجتمع الدولي أن يكون وفياً لمبادئه وتطلعاته بإقامة دولة فلسطينية على مناطق العام 1967. ثمة دول كبرى مثل كندا واستراليا والنرويج بجانب بعض الدول الآسيوية لديها مشاريع واستثمارات وعمالة وافدة داخل المستوطنات.

إلى جانب ذلك يجب أن تعرف أوروبا أن هذا أقل من المتوقع خاصة في ظل مسؤوليتها الأخلاقية عن الأزمة الفلسطينية ومساهمتها في صنعها. وعليه يجب تطوير خطاب دبلوماسي فلسطيني قائم على مقاربة ثقافية معرفية أخلاقية تجاه أوروبا وتعميمه ليس فقط في السياسات الرسمية بل أيضاً ضمن دبلوماسية عامة مكثفة.

يرتبط بهذا الالتفات أكثر إلى حركات المقاطعة التي بدأت تنتشر في العالم، والتي يجب أن تنقل من مقاطعة الجغرافيا إلى مقاطعة الأفراد، بحيث لا يصار فقط إلى مقاطعة المستوطنات بما تنتجه وتبحثه وتسوقه، بل أيضاً يجب اعتبار المستوطنين متهمين في القانون الدولي. فليس فقط الجنرال القاتل بل إن المستوطن الذي سرق أرض المزارع الفلسطيني قاتل ومجرم في القانون الدولي. وعليه يجب تطوير مقاربات قانونية حول ذلك.

إن التغير الذي يصيب العالم بفعل صوابية النضال الدبلوماسي الفلسطيني يحتاج دقة في تطوير الخطط وتبني التوجهات، لأن مواجهة إسرائيل في المعقل ذاته الذي شهد شهادة ميلادها اكثر فعالية من أي شيء آخر.

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع