ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
أين هؤلاء من مانديلا؟!
11/12/2013 [ 09:55 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: عدلي صادق

العنصريون والأميركيون المتواطئون، والمستبدون في العالم الثالث، ووارثو الحكم في بلدان الاستعمار القديم؛ كلهم أظهروا الحزن على نيسلون مانديلا، وكأنه عاش ومات صديقاً لهم، أو كـأنهم كانوا من الطيبين الكرام معه ومع حركته الوطنية. بل إن نتنياهو، وهو رئيس حكومة إسرائيل التي اصطفت بصفاقة مع نظام الفصل العنصري، تذرّع بأكلاف الرحلة، لكي يتخلف عن التشييع، كأنه أراد أن يذرف الدمع على الراحل الافريقي!

أي رياء هذا الذي لا يضاهيه سوى الرياء في مجريات السياسة الدولية، أو الرياء في سلوك الحكم الاستبدادي؟! فمانديلا عاش السنوات الطويلة في سجنه المديد، دون أن يلقى إنصافاً أو وقفة ضمير حي، من الغرب الذي يشارك في هذا الإجماع الدولي على تكريمه عند التشييع. أما الأميركيون الذين يتقدمهم أوباما، في جنازة مانديلا، فإنهم كمن يحتفلون بخزي العنصرية، وهم الذين رفعوا اسم مانديلا من قائمة "الإرهابيين" قبل نحو خمس سنوات، أي بعد أن انسحب الرجل من مسرح السياسة وبلغ التسعين. وربما لو حضر نتنياهو ومعه أفيغدور ليبرمان، للمشاركة في تشييع الرجل النقيض للاستعلاء العنصري، لاكتمل مشهد الدجل السياسي في التشييع!

بالنسبة للمتمحكين بمانديلا، من المستبدين القتلة الذين يزعمون ليل نهار أنهم يناوئون المستعمرين والمستكبرين؛ فإن درس تجربته وعبرتها، تمثلان أبغض الوصفات الخلاصية على قلوبهم وسحناتهم وأنظمتهم. فمانديلا أعلن الصفح عن الجلادين. فكيف لجلاد لا يريد الصفح عن ضحاياه، أن يعشق ويحترم ضحية تصفح عن جلادها؟! ففي مشروع المصالحة الحقيقية الذي تبناه مانديلا، تبدت عبقريته السياسية، وبدأ بنفسه حكاية الصفح والصلح، وأوكل المهام التفصيلية في العام 1995 الى لجنة مركزية ترأسها الأسقف الأسود ديزموند توتو، الذي يتمتع بصدقية روحية وسياسية عالية. واستمعت اللجنة الى نحو 30 ألف ضحية وجلاد، وحكمت بالعفو والصفح مقابل كل اعتراف وندم علنيَيْن!

شجع مانديلا الأكثرية المظلومة، على الانخراط في عملية ديمقراطية، وطمأن الأقلية البيضاء على أمنها وأمانها وحقوقها. ففي اللحظة الأولى بعد مغادرته السجن، أطلق صيحته الشهيرة: "إن ما مضى قد مضى". ولكونه بدأ بنفسه، فقد زار جلاديه الشخصيين في منازلهم، وتناول القهوة والشاي معهم، ورتب حفلات استقبال لمجموعات منهم، وقام بزيارة مثيرة للدهشة، لسيدة في بيتها، هي أرملة مهندس نظام الفصل العنصري هندريك فرفويد، الذي أمر بحظر نشاط حزب المؤتمر الوطني الافريقي في مستهل الستينيات. فعندما امتلك القرار، هتف مانديلا بصوت عالٍ: لو لم تكن المصالحة جوهر سياستنا، لكنا شهدنا حمام دم!

مُظهرو الاحترام لمانديلا، من المستبدين والقتلة في العالم الثالث، لا يتقبلون حتى الصفح عنهم من قبل ضحاياهم، ويرون في استعداد الضحية لأن تتعايش معهم مقابل بعض الحرية وبعض الكرامة، تعدياً وسفاهة على مقاماتها، إن لم يكن إرهاباً وتعاملاً مع المستعمر. فما الذي يجمع أمثال هؤلاء مع مانديلا في حياته وفي ذكراه؟!

الذين حصدوا ما في وسعهم أن يحصدوا من رؤوس الناس، لكي يورثوا أبناءهم، أو لكي يحكموا الى الأبد؛ ما الذي يجمعهم بمانديلا الذي عارض فكرة الزعامة الأبدية، بعد أن جعلته نضالاته وعذاباته، أيقونة الأيقونات الافريقية والنضالية في العالم. لقد اقتنع الرجل أن سنوات الألم لم تذهب هدراً، وأنه وضع الفكرة وقاد البدايات، وأن للعمر حقه وللأجيال حقوقها!

هؤلاء الذين يشيعون رجلاً عاش صلباً، رقيق الطباع، متسامياً على الأحقاد؛ يرون بأمهات أعينهم كيف نال مانديلا احترام أعدائه قبل احترام أصدقائه ومحبتهم. ولأن الموت حق، فلا يحلم أي منهم، بأن يحظى ببعض التكريم عند تشييعه. ففي الوقت الذي يهبط فيه هؤلاء بمعاني السياسة حتى بمفهومها الدراج كممارسة تتسم بالدهاء؛ ارتفع مانديلا بمعنى السياسة فجرده من نزعات الانتقام والتربح والانتهازية، ورآه المعادل الموضوعي للتقدم في طريق مستقيم نحو رفعة الشعب وهنائه في حياته اليومية. وجعل السياسة عملاً نبيلاً يتوخى الانتصار لكرامة الإنسان ولحقوقه. فأين المشيعون من ذلك القابع في التابوت؟!

adlishaban@hotmail.com

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع