ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
استقطاعات ومسؤولية مستقطعة
09/12/2013 [ 07:38 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: عدلي صادق

كلما تعرضنا لوضع موظفي قطاع غزة، كنا نركز على مظلمة وقف نموهم الوظيفي، الذي أوقع اختلالاً في الهيكل العام للجهاز الحكومي، اذ تدرج الموظفون الآخرون، على سلالم الكادر، وبقي الأولون على ذات درجاتهم ورتبهم العسكرية، بذريعة أنهم ليسوا على رأس عملهم. فالاستنكاف عن العمل، حين يكون قرار الموظف، ينبغي فصله وليس وقف نموه وصولاً الى شطب بدلات وظيفته. لكنه عندما يكون بقرار صادر عن رئاسة الجهاز الحكومي التي أوقفت الحقوق التي يقررها نظام الخدمتين المدنية والعسكرية، للموظفين عن سنوات الخدمة، ثم نراها اليوم تستقطع؛ فان المسألة هنا تصبح ظلماً بيّناً واستقطاعاً للمسؤولية المفترضة عند الحكومة، أقل ما توصف دوافعه أنها رؤية حسابية تتوخى تخفيض فاتورة الرواتب، بالضرب على الفئات التي يراها القائمون على الأمر بعيدة وغير حاضرة!

مع مرور السنوات، ترتفع أكلاف المعيشة. وربما كان الحصول على الحقوق الوظيفية، المترتبة على امتداد سنوات الخدمة، سيغطي كلفة الارتفاع. غير أن الذي حصل، هو استمرار الرواتب على حالها وازدياد مصاعب العيش. وقد تحلى الموظفون في غزة بالصبر وحافظوا على انتمائهم، ولم يتبرموا من تنامي الوضع الوظيفي لاخوتهم في الضفة، فيما هم ثابتون على انتمائهم كثباتهم في وجه القوة الانقلابية التي اختطفت غزة تنفيذاً لسيناريو مشبوه، لا هو بالرباني ولا هو بالمقاوم.

عناصر عدة، ساعدت على المجاهرة بخطة الاستقطاعات، من بينها ـ فضلاً عن غياب الموظفين عن مركز اتخاذ القرار في الجهاز الحكومي ـ عدم وجود ممثلي المجتمع في مجلسهم التشريعي لكي يناقشوا مثل هذه القضايا ويقرروا فيها ويراقبوا بعدها. فنحن، منذ الانقلاب الدموي في قطاع غزة، نعاني من فراغ دستوري ومؤسسي على صعيدي التشريع والرقابة، وليس ثمة من يناقش تفصيلات عمل الجهاز الحكومي ويلزم الحكومة بقرارات وضوابط. بل لا يُتلى على أحد بيان حكومي برسم المصادقة أو التعديل. وقد طالبنا مراراً بعد الانقلاب، أن يُصار الى اعادة صياغة المؤسسة التشريعية والعودة الى الشعب في الأماكن التي يتاح لنا فيها العودة اليه، لكي يختار المجتمع ممثليه، بنظام قوائم العناوين السياسية لفصائل منظمة التحرير والمجتمع المدني. لكننا ارتهنّا لوهم المصالحة، التي أراد الطرف الآخر من خلالها مد نفوذه الذي ينحسر أدبياً وسياسياً في غزة نفسها؛ الى الضفة الفلسطينية. بل ان خطط المصالحة التي أعطت لـ "حماس" معظم ما طلبت، قوبلت بالرفض الحمساوي عملياً، لأن المصالحة نفسها تشطب الهدف الأبعد الذي حدده معلّموها الكبار في الخارج. بات الحل يكمن الآن في انفجار شعبي عارم. وما الخطط التي تتسرب عن اطار اميركي للحل، بمحدداته ومواقيته، وباستثناء غزة؛ الا نتيجة للانقلاب الذي يخصم من الورقة السياسية الفلسطينية ثقل غزة وحرارتها والزخم الذي ترفده الى الحال الوطنية العامة. ومع مرور سنوات السيطرة الحمساوية على القطاع، وعلى الرغم من كل ما زعمته "حماس" لنفسها من انتصارات ليس في مقدورها ولا في مقدور الغزيين هضمها، ثم أبطلت المقاومة؛ فان هذه الحركة المرتهنة للأجندة "الاخوانية" التي لم تكن في أي يوم وفي أي بلد تتحلى بالوطنية، أخفقت في التأسيس لقاعدة اجتماعية موالية لها، واكتفت بالمستفيدين والأتباع. وبانتفاء ميزة الهيمنة العاطفية على سكان قطاع غزة، وباتباع سياسات ذات تداعيات من شأنها الاكثار من الخصوم والأعداء، وبلجوئها الى أقصى درجات الحذر الأمني، وبغبائها الذي صوّر لها أنها باسكات الناس والاطباق على رقبة المجتمع يمكن أن تعمّر طويلاً؛ باتت هذه الحركة تنام على كابوس الانفجار الشعبي في أي وقت!

استقطاعات الحكومة ليس لها سوى معنى واحد بمفردات السياسة، وهو أن المستقطعين يستقطعون مسؤوليتهم، ويرون غزة بعيدة الى الأبد، وبالتالي يمكن التدرج في تخفيض الالتزامات الحكومية حيال الوطنيين فيها. ان هذا عمل يدق نواقيس الخطر، ويضرب فكرة الوحدة الوجدانية ووحدة المسار والمصير. فالمسألة ليست حسبة مالية، والكيانية الوطنية ليست مؤسسة لصناعة السيارات لكي تخفض كلفة الانتاج بتخفيض المفردات المالية لموظفيها أو الاستغناء عن جزء منهم. ان هذا مشروع وطني دفعت غزة مع سائر أرجاء الوطن ثمنه دماً وعذاباً وحصاراً. والمال، الذي هو في الدين، مال الله، والذي هو في السياسة مال المانحين، أعطي للمجموع الوطني الفلسطيني، فلا يحق حتى لحكومة ناقشها البرلمان وصادق عليها، أن تتبع فيه الهوى، فما بالنا بحكومة تسيير أعمال بالتوصيف الدستوري، لم يناقشها أحد ولا هي مسؤولة عن أخطائها أمام ممثلي الشعب!

كنا نأمل ألا ينفتح باب نقاش كهذا، في ظروف تفاوضية عسيرة تتخللها مشروعات تصفية لمنجزاتنا السياسية ولثوابت القضية. كنا نأمل أيضاً، بدل اللجوء الى هذه الحسبة المالية للتخفيض، الافادة من دبلوماسيتنا الدولية لرفع مستوى الدعم المتاح لفلسطين!

adlishaban@hotmail.com

 

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع