ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
إلـــى متـــــى؟
09/12/2013 [ 07:36 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: طلال عوكل

بعيون متسائلة، وعقول متشائمة، وقلوب متعبة، يمضي المواطن في قطاع غزة، في حياته اليومية، منتظراً بلا أمل، من يجيبه، ولا يجيب عن سؤال الأسئلة، الى متى؟

إلى متى، سيستمر هذا الانقسام، الذي يصفه الجميع بالبغيض والخطير، الى متى سيستمر هذا الحصار، الذي تزداد وطأته يوما بعد آخر، الى متى سيظل معبر رفح مغلقاً، يطفئ كل رغبة في السفر، الى متى تستمر أزمة انقطاع التيار الكهربي، ومعه وبسببه يستمر انقطاع المياه، الى متى يستمر هذا التجاهل والتعذيب من الأهل والخلان..؟ طويلة الأسئلة التي تتردد على ألسنة الجميع، بلا جواب من احد، فيرتد السؤال على صاحبه، فتجد الإنسان يتحدث مع نفسه، حتى لتخاله مخبولاً.

قد لا ينتبه المسؤول، الى الرواج غير الاعتيادي، الذي تحظى به مهنة اطباء القلب، وتخصصات الضغط والسكر والسرطانات بانواعها، جزء كبير من الواجبات الاجتماعية يتركز حول زيارة مريض، او مراجعة الاطباء، او اداء واجب العزاء في شاب او مسن، اصيب بنوبة قلبية دون سابق انذاز، الموت لم يعد متلازما مع القتل، او مع تقدم السن، الى ان تراجعت رهبة الموت، اذ لم يعد يترك ذلك الالم على فراق حبيب او شاب في مقتبل العمر.

ضمن الاسباب الستة التي يتحدث بها الاطباء كما تعلمونها في الجامعات، هناك سبب واحد، هو الذي يقرر حالة المريض، فلا التدخين ولا السمنة، ولا الملح، ولا السكر، ولا الجنس، ولا اي من هذه الاسباب هو الذي يتحمل المسؤولية عن دفعك الى طبيب القلب، انه الضغط النفسي والعصبي، وما دام الامر كذلك، فلعل الشباب هم اكثر الفئات تعرضا للاصابة. فجأة وبدون سابق انذار، تأتيكم الازمات من حيث لا تحتسبون، ولا مجال هنا للعمليات الحسابية، او للمرافعات القانونية، ولا مجال لقبول المبررات، مهما كانت وجاهتها.

موظفو القطاع العام، في غزة ليسوا مسؤولين عن الانقسام وهم ليسوا مسؤولين عن قرار الاستنكاف عن العمل، بل انهم يعانون اجتماعيا، ونفسيا بسبب جلوسهم في البيوت منذ ما يقرب من السنوات السبع، وهم ليسوا قادرين ولا مسؤولين عن انهاء الانقسام، وكل ما لديهم هو التزامهم بقرارات الشرعية، والسلطة التي منحتهم فرصة العمل.

فجأة، يذهب الموظف الى الصراف الآلي، او الى البنك، فيجد الراتب ناقصاً مئات الشواكل، مع تفاوت له علاقة بالدرجة الوظيفية، وبدل المواصلات وهذه ليست متساوية، لعلاقتها بمكان السكن، فجأة تختل الموازنة، التي يذهب قسط وافر منها لسداد قرض، او لسداد دين، او لتأدية فريضة اجتماعية، وفجأة تتسع دائرة السؤال عما سيأتي لاحقا من اجراءات اخرى، بعد ان توقفت العلاوات، وتوقفت عمليات التوظيف، منذ وقوع الانقلاب، ما هي الإجراءات القادمة، هل سيتم فرض نظام التقاعد الإجباري، ام ان هناك تقليصات أخرى؟ كل شيء متوقع، طالما يستمر تجاهل حقوق الموظفين، ومعاناة المواطنين في القطاع، الذين لا ذنب لهم، سوى انهم تحولوا الى ضحايا، لاختلاف الرؤى والبرامج والمصالح والحسابات.

بعيدا عن جدل بيزنطي حول قانونية او عدم قانونية الإجراء، أو حول مدى وجاهة الأسباب التي تجعل الموظف العمومي هو من يتحمل المسؤولية عن تقصير القيادة تجاه المئات من عائلات الشهداء الذين لا يحصلون على مستحقاتهم، بعيدا عن كل ذلك فإن للإجراء أبعادا اجتماعية ونفسيه واقتصادية قد لا يدركها من اتخذ القرار.

اذا كان آلاف العمال، والمستفيدون من الحركة عبر الأنفاق التي يتم تدميرها، قد انتهوا بلا مورد رزق، وإذا كان عشرات آلاف أصحاب المهن المرتبطة بالإنشاءات قد فقدوا مورد رزقهم بسبب عدم ادخال مواد البناء، واذا كان الصيادون لا يحصلون على ما يغطي تكاليف وعذابات مغامراتهم البحرية، إذا كان كل هؤلاء يضافون الى عشرات آلاف الخريجين فكيف للناس ان تعيش؟

كيف للناس ان تعيش، اذا كانت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين تقلص خدماتها عاما بعد آخر، وإذا كانت المؤسسات الدولية المانحة تقلص تمويلها لمنظمات العمل الأهلي، حتى بات على معظم هذه المنظمات تقليص موظفيها وخدماتها؟

لا بد من ملاحظة ان المصدر الأساسي للدخل في قطاع غزة، هو من الوظيفة، سواء من الاونروا، او من السلطة، او من الحكومة المقالة، الكل يعرف ان التحويلات من الخارج، تراجعت الى حد كبير لأسباب كثيرة منها وفي الأساس، ان الكثير من الدول العربية باتت تفضل تشغيل العمالة الآسيوية، وان الفلسطيني ما يزال مشبوها بالإصابة بفيروس التمرد او الثورة، في هذه الحال كان على المسؤول ان يأخذ بعين الاعتبار بأن الراتب الذي يحصل عليه الموظف، سيخضع لمبدأ التكافل الاجتماعي، فإذا كان هذا الراتب أصلا لا يلبي الارتفاع المتزايد لتكاليف المعيشة فكيف له ان يلبي الاحتياجات والأبعاد الاجتماعية المرتبطة به وبصاحبه؟

لا مجال هنا لرسم المشهد المأساوي بكل تفاصيله، وقد كتب عنه الكثيرون، ولكن اذا كان تعميق هذا الطابع المأساوي مرتبطا باستراتيجيات سياسية او حسابات او مراهنات لا افق لها، فإن المأساة وحدها هي الباقية حتى لم يعد للمواطن الغزي من حلم، وهو سيفرح حين يتحسن ولو قليلا وضع التيار الكهربي، او حين يفتح معبر رفح لأسبوع متواصل .. أو ...

ومن المناسب القول، أن الظلم الإعلامي، والدعاوى والتثقيفي الفصائلي لتعزيز الصمود، ولمطالبة المواطن بالصبر، وبالتضحية، كل ذلك لم يعد مفيدا على الإطلاق، فمع استمرار هذه المأساة واتساع نطاقها ومفرداتها، تتسع أزمة الثقة بين المواطن والمسؤول والفصيل، وإذا كان المواطن يدرك تماما أن الاحتلال هو المسؤول الأول والأساسي عن هذه المآسي الوطنية والاجتماعية، فإن لسان حاله يقول ان "ظلم الأقربين أشد مضاضة"، ويعود ليسأل الى متى؟ واخيرا يخطئ من يعتقد ان هذا كل ما ينطوي عليه المشهد المأساوي.

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع