ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
أصوليات جامحة ومحنة أوطان
28/11/2013 [ 07:53 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: عدلي صادق

لم يعد ثمة فرصة لأمة العرب، لكي تستجمع إرادتها الكلية، ولكي تسترد أوطانها وثقافتها وأواصرها منذ الأزل، ولكي تستعيد مساجدها وحسينياتها وعذوبة تدينها؛ إلا بالخلاص من الأصوليتين الجامحتين السُنية والشيعية على السواء، وعلى تعدد تنظيماتهما. إن هاتين الأصوليتين، تحتقران الأوطان، وتنطويان على ثقافة بدائية وقبلية، تناقض الأديان التي خاطبت الناس والعالمين. وهما جلابتا استبداد وموت وشر، وفي الوقت نفسه ماضغتا شكايات زائفة، وأحزان، ومتطلبات مجنونة. تتوخيان تعزيز أحكام صلبة كجلاميد الصخر، من شأنها أن تفتح بطون الأوطان لكل عابث. وفي سعيهما هذا، تستثيران ردود أفعال أمنية وعسكرية، يؤيدها الراغبون في دفع الخطر، وتكون النتيجة، تصليب ورسوخ الأنظمة الأمنية، وتعليق مسألة الديمقراطية الى أجل غير مسمى!

هاتان الأصوليتان الجامحتان المتطرفتان، أفسدتا الثورات وأصابتا قضية الحرية في مقتل، عندما عمدتا الى تقسيم الناس الى مؤمنين وضالين. وفي حسمهما لأمر "الضالين" تفرغتا للنزاع بين "المؤمنين" أنفسهم، لكي تستقل كل جماعة عن الأخرى، بحيث يكون لكل واحدة من هذه الجماعات، دفتر مواصفاتها الذي تقيس به درجة الإيمان، وتجعل به الجزء الذي تمثله، الكُل المرتجى. أما الباقون، فإنهم مخلوقات زائدة، إذ ترى نفسها الأمة والإسلام وممثلة العدالة ومندوبة السماء، وهذه دوامة لا تنتهي!

ذلك بينما الثورات هي أولاً وأخيراً، حركات شعبية يضطلع بها كل المضطهدين ضد من يضطهدونهم، وتكون سمتها الغالبة، أنها ـ بكُليتها ـ تتوكل على الله في مسعاها. غير أن الأصولية، تنقضُّ كقاطعة طريق، وقبل أن تنتصر الشعوب؛ فتضرب وحدة المضطهدين، وفي جوفها المنطق العقيم الذي يؤسس لصراع داخل معسكرهم البائس، حول هوية الوطن وهوية البشر. يروق لها وصف كل من هو غير أصولي، بأنه علماني مع إقران العلمانية بالكفر، علماً بأن الوطن العربي، ليس فيه نظام واحد، ولا دستور واحد، ولا حاكم واحد، يُعد علمانياً بالمعنى المعجمي للعلمانية. فالأنظمة كلها تتكئ على الدين الذي تعتمده الدساتير مصدراً للتشريع، ولا يغيب حاكم عن احتفالية أو صلاة في المناسبات الدينية. لكن الأصوليات تتجاهل كون المشكلة في الحقوق وفي الحريات، وفي الانكفاء البليغ عن مواجهة تحديات الأمن القومي والتنمية والديموقراطية ومقتضيات العدالة!

الأصوليتان الجامحتان، اللتان ابتليت بهما أوطاننا في المشرق العربي، واحدة انطلقت من حضن الأكثرية السنية فأدخلتها في مأزق مع نفسها ومع القاعدة الاجتماعية للدولة، التي هي من جنس مذهبها، ورأت في الأصولية الأخرى، الشيعية، وقاعدتها الاجتماعية عدواً رئيساً، فزادت من خوفها الأقلي، الكامن في مواضع مرجعياتها، وفاقمت رعبها وتحسبها، من الطغيان الأكثري، فبتنا أمام أصوليتين مأزومتين وفاجرتين، لا تقيمان وزناً لحياة الناس ولا للأواصر التاريخية والثقافية بينها، ولا تمانع في التفجير وسط عابري السبيل من الأبرياء، ولا في رمي الحمم المدمرة، على مهاجع الناس كما في الصراع المفتوح في سوريا!

تبدأ الثورات حانية ومستنيرة ونظيفة. تُطمئن الأقليات ومكونات المجتمع، بالإدانات المتواصلة للتطرف وللمس بمبدأ المواطنة وحقوق المواطنين. لكن الأصوليات بتنطّعها وانحراف بوصلتها، تُشيع الرعب، وتعطي للنظام الذي يسعى الناس لانتزاع حقوقهم الإنسانية من بين براثنه؛ الفرصة لأن يفسر الصراع على هواه، فيكون أقل ما في هذا التفسير، أن النظام على كل سوءاته، هو الضمانة الأكيدة لإنقاذ الدولة المدنية التي تحتضن جميع مواطنيها، وأنه على هذا الأساس، يقاوم منطق الجماعات التي ترى واحدتها في نفسها، راعية الإيمان وتختزل في نفسها الأمة وعقيدتها وروحها!

غير أن ما فعلته الأصوليتان المتفرعتان الى أصوليات وجيوش، يؤكد الحاجة أكثر فأكثر، الى النظام الديموقراطي، والى ضرورة كنسهما، هما والديكتاتوريات، الى مزبلة واحدة، إذ لا يكمن الحل في جموحهما ولا في منهجيهما، مثلما لا يكمن فيما أتاحتاه لخصومهما السلطويين، من فرصة لهيمنة النظام الأمني، أو من فرصة لمواصلة العناد العسكري الفتّاك، بذريعة دفع خطرهما!

adlishaban@hotmail.com

 

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع